لم تفسد فرحتي بالإجازة تلك الأرقام الثلاثة التي خُطّت حولها دوائر باللون الأحمر على شهادتي المدرسية، معلنة رسوبي في التاريخ والعلوم والرياضيات. جلّ ما كان يشغلني في تلك اللحظة هو مواجهة الأهل بذلك، فقد كنت على علم مؤكد بكل العبارات التي ستقال والشتائم التي ستنهال عليّ، ككل المرات السابقة.
غادرت الصف بينما كان بعض التلاميذ يتبادلون شهاداتهم، محاولين معرفة الأول علينا في الدرجة المدرسية ..!
عند باب المدرسة، كان الجو يشي بأن العطلة ستكون بغاية المتعة، فالبرد الشديد ورذاذ المطر الذي ينزل بخفة، لم يثنِ الأولاد عن التجمهر أمام المدرسة، وقد جمعوا كتبهم، وأشعلوا النار فيها. ألقيت ما في حوزتي من كتب في دائرة النار، وجلست إليهم، حولها، فقد كانت ملاذا ملائما لنا من البرد ومنصة مناسبة لإطلاق التعليقات على من كانوا يترفعون عن مخالطتنا من التلاميذ.
لكن ما نعمنا به من دفء لم يدم طويلا،أحد الأساتذة لفتته ألسنة اللهب، القريبة من سور المدرسة، وبعد أن عرف بأمرنا، كانت عصاه خير من يفرق الجمع. اتفقنا على اللقاء عصرا، وذهب كل منا في شأنه.
في الطريق إلى البيت كانت كل الأشياء ساكنة، أشجار السرو والصنوبر المتشابكة على طول الطريق، كانت تبدو وكأنها خُلقت للتو، كان اخضرارها مختلفا عن ذلك الذي يلبسها في الفصول الأخرى، كان اللون أخضر حقيقيا.
اقتربت من البيت، فتوارت كل الألوان من مخيلتي، لم أعد أرَ سوى لون أحمر وثلاثة أرقام.
رأسها الذي أطل من نافذة المطبخ بشكل مضحك، فور وصولي “حوش” بيتنا، سلبني التمهيد والتبرير أو حتى التفكير في ذلك :
- ها، هل هناك أخبار جيدة هذه المرة؟ سألت أمي من فورها.
- كل التلاميذ يبكون، اخرجي وشاهدي بفسك. أجبتها بحزن اعتادت ألا تصدقه.
- وكم من المواد حملت هذه المرة أيها الغبي؟ هذا ما تعلمته من الحمير، القدرة على حمل الفشل، ليس الذنب ذنبك، إنه ذنبي أنا، فكيف لي أن أنتظر خبرا سعيدا من حمار مثلك.
تجاهلت شتائمها، وأظهرتُ انشغالي بتثبيت “المزراب” في الجدار،وهذا ما أغاضها ليرتفع صراخها اكثر:
- لماذا لا تجيب، هل أصابك الخرس فوق الغباء.
بملل لم استطع كبح جماحه في داخلي، أجبتها على الفور:
- منذ متى كانت الحمير تتكلم ؟؟
بعدها لم أسمع صوتها أبدا، كل ما كنت أسمعه، صوت ارتطام قدمي العَجِلتين بالأرض، وحفيف أجسام تتطاير عن يميني وعن شمالي، دون أن أتمكن من تحديد هويتها.
منعها من مواصلة التصويب لهاثها الشديد، فاستنجدتْ بصوتها الحاد مواصلة صراخها:
- أنت أجبن من أن تبيت في الحارات … سأكون بانتظارك يا ملعون…!
انتهت المواجهة، لكن الثمن كان باهظا، هناك خمس ساعات من الفراغ، تفصلني عن العصر، لملاقاة الأولاد. خمس ساعات من البرد والضجر، فكرت في أن استبدلتها بأخرى من الدفء وكثير من العناية. فما إن اقتحمت عليهم قيلولة الظهيرة، حتى قابلتني الجدة بالترحيب، فيما حاول جدي تمييز الزائر.
عَلَت ضحكات جدي فور سماعه صوتي، وبدأ يردد وقد بدا عليه الإنفراج :
- ها قد جاء شيطاننا الصغير، اقترب مني يا بني.
رفع عنه اللحاف، ودعاني كي أتمدّد إلى جانبه. أمسك بيديّ، وبدأ يحكهما ضاحكا:
- ألا يمنعك البرد من اللعب في الحارات أيها الشيطان الحبيب. ملمس يديك كملمس الأفعى، لقد أنبت البرد في يديك حراشف بدلا من الجلد. قالها بحنو، وختم بضحكة هادئة.
- فلتدع الصبي وشأنه، قالت جدتي وهي تحمل كيس البطاطا، سألت إن كنتُ سأكتفي بحبة واحدة تنضج على مهلها في منقل الحطب، بينما نتجاذب أطراف الحديث.
سرني أنهما لم يأتيا على ذكر المدرسة والنتيجة، ولتلافي ذلك، طلبت من جدي أن يروي لي قصته مع اليهودي، التي قصها علي مرات عديدة من قبل. بدوره لم يتوان عن ذلك، فشرع يسردها بكل تفاصيلها التي كنت أحفظها جيدا من كثر تردادها.
- منذ خلقت وأنا أراك تجلس أمام النافذة يا جدي، لماذا اخترت هذا الموقع بالتحديد.
جاء سؤالي مرافقا للمشهد الذي يسترسل فيه جدي





























