فلسفة المطر
كتبهاعامر ملكاوي ، في 21 تشرين الأول 2006 الساعة: 05:13 ص

ذات شتاء…
لابساً سكون الليل في أوصال قرية أسدل عليها الظّلام عباءة الصمت، منتعلاً قلقي الفطري، متنكراً بطفولة يرتديها معطف من كهولة، تشي بها عكّازة، استند إليها زمن مقيت من الإحتضار، أخرج من بين جدراني صحبة هارمونيكا حزينة تعزف لحن الإنتظار.
***********
أجمع أشيائي كمرتحل غريب، يبحث في وجه غيمة ليليّة بيضاء ، عن زهرة لوز تحمل في تلافيف أوراقها ذاكرة ناصعة الشّقاء. على إيقاعات المطر، تناقلت خطاي كراقص يحترف البقاء على قيد الألحان في أزقّة قتلها السكون، تعلّقت على جدرانها أحلام الخائبين.
مبهوراً بجماليّة مهرجان ريفيّ مبلّل بريق السّماء، فاجئتني هارمونيكا الإنتظار بمعزوفة مطريّة حزينة، عذبة النّغم، مللت إنتظارها لفرطه، لم تكد تسمعها الغيوم متخمة الشّجن، حتى استمطرت الغزير من الدّمع، لأقف مذهولاً وسط مسرح أوبراليّ إلهيّ، تتراقص على جليده أنفاسي الدّافئة، رفقة إيقاعات تصاحب قبلاً سماويّة ترسمها قطرات الشّوق على جبين الأرض.
غمرة سكون بعد صخب …
تثاقلت خطى السّماء في عدوها نحوي، تكاثفت حبّات الأمل في عينيّ، أمامها، امتقعت ألوان الأشياء من حولي. فضاء ضبابيّ اختزل أسطورة بهاء تلوّنت بدهاء طبيعة صامتة زج بي وسط لوحة رماديّة زاهية لبست المكان، فزرعتني إلى قدميّ بثبات دهِش كبّلته سلاسل الذّهول.
استوقفني تلك اللحظة ما تختزنه الطّبيعة من جنون يضعها خارج أطر المنطق، فوق أنسجة الخيال، إذ تستدرجك في أوج شهوتك لمفاتنها، لتلبس في حضرتك ثوب العزاء، تماماً، كامرأة لعوب، تغريك فصاحة مقصدها، فإن بلغتك، لبست عباءة العفّة فوق لهيب الرّغبة، لتتركك صريع أنوثة تقف على شفير الرجولة.
فبعد فصول انتظار، يأتيك الشّتاء مبلّلاً بلهفة اللقاء، يهديك سكوناً سرمديّاً تتوسّد دفئه، وتغفو على صوت أحلامك المعلّقة بصقيعه، وفي قمّة احتفالك، يباغتك بنوبة استنفار، تقلب أركانك، لتبقى على قيد الموت.
لكنّ ما حدث تلك الحزّة، ضرب من استحالة، لم يبلغ بها الجنون من قبل أن تتمرّد عليه، ما كان من زهو جمالها، ورقّة مآلها قبل هنيهة، لا يذهب إلى جنونها الرّتيب في شيئ. خارق ما أتت به، ينذر بمشهد استثنائي يتعدّى ما أضمرت من تقلّب أهوائها.
أسير مجهولها، وقفت على حافّة الهذيان، مأخوذا بهول ما تبدّى لي من غرابة مشهدها، تلك الطّبيعة العاشقة، الغاضبة، الغادرة، الحزينة، سحرتني بمزاجياتها العشوائية، أحاطتني بصمت قتيم، حلّق بي عبر أثير غرائبي، حطّ بي في مساحات الشّعور، معلناُ تخمة الحواس.
لملمت شتاتي بين تناقضاتها، في محاولة عاجزة لأن أستجمعني.
خلدت إلى عقلي أخيراً، أحاول التّعلق بتلك الشّعرة التي قد تعيدني إلى وهم الوعي…
من خلف ستارة ضبابيّة راكدة، نبس بي صوتٌ حفيف، به شيئ من لغط موسيقيّ، عبرني كرعشة انتشاء. تبدّد حاجز الأسئلة الضبابيّ الّذي أطبق على كلّ الأجوبة خلفه، لأقف أمام وجه ملائكي من مطر، بجسد أميرة حسناء، لم تزل حبيسة الخرافات والأساطير. وجه ثلجي، به شيئ من بريق الماس، لا يجعلك تقوى على تحديد ارتساماته، أو إحاطة تفاصيله الغائرة.
بكلمات تختبئ خلف جدار من خوف يأخذ شكل فضول، سألتها:
- من أنتِ؟
بنعومة المطر ودفء الشّتاء، أجابت:
- أنا حارسة المطر.
- من أين أتيتِ؟
- من حيث يولد المطر.
- لم أعلم بوجودك من قبل.
- هذا صحيح، فلم يسبق لي أن صاحبت المطر أثناء نزوله.
- ولِم تفعلين ذلك الآن؟
- من أجلك…
صمتّ قليلاً، أحاول الصّمود أمام دهشتي مما قالت :
- أحقّاً أنتِ هنا من أجلي؟!
- نعم…
- ولكن لماذا؟
- علمت أنّك مغرم بالمطر، وأنّك تعبر الفصول على متن الحنين في انتظاره.
- ومن أخبركِ بذلك؟
- هو…
- المطر؟
- نعم… المطر.
- أخبرني أنّك شغوف به، تتلهّف للقائه كلّما حظر، تخرج من بيتك صحبة آلتك الموسيقيّة، تعزف ألحانا تداعب بها دموع حزنه.
بشيئ من الدّهشة والذّهول، سألتها :
- أوكلّ ذلك يعرف عنّي المطر؟
- نعم…
ارتسم الصّمت على شفتيّ مجددا، فاستدركت ملاحقاً إياها بسؤآل آخر:
- لكنّك قلت أنّك حارسة المطر، فممّا تحرسينه؟
على عجل، وكأنّ سؤآلي ارتطم بجملة استبقت جوابها :
- أنت باذخ الفضول، وفير السّؤآل، وأنا ما أتيت إلى هنا إلّا لأسمع منك أجوبة.
مرتبكا، بشيئ من الإعتذار، قلت لها:
- أستميحك عذراً، لكنّ الأسئلة هي السّلاح الوحيد في مواجهة فضول أرعن.
- إذن دعني أسأل.
- تفضّلي…
- أيمكنك أن تخبرني عن سرّ تعلّقك بالمطر؟
- مؤكّد…
واصلت الحديث :
- إنّه الجمال، لاشيئ في هذا الوجود يضعني أمام الجمال سوى المطر. إنه هجين الحزن والحنين.
- أوَتضنّ أنّك ترى الجمال في ما ترى من المطر؟
أربكني السّؤآل، لذت إلى الصّمت مجدّداً، لأجيبها مؤكّداً :
- نعم، فلاشيئ بجمال المطر.
رمقتني بعينين سكنتهما مدائن الحزن الأزلي بشوق جارف تجلّى في ثنايا أجفانها المغسولة بالحنين، ثم قالت: فيك الجمال وأنت منه، فلا تبصر غير أعماقك إن كنت مشغوفا بأسرار الخفاء. وأطرقت تذوب في أنفاس السكون الهادئة.
وذهولي تركتني جاثياً على أسئلتي، عند أقدام أجوبتها الحافية، مضت في طرفة عين، حاملة معها جمالاً لن أبلغه يوماً، تفصلني عنه مسافة روح ومطر. غادرتني ولم تزل أصداء صوتها الأثيريّ تهزّ أركان المكان، وعندما أغمضتُ على عينيّ أجفاني، مذعنا لترتيلة سحرها المقيم في أحشاء الرّوح، لم أرَ سوى غيمة تبكي تراب، فسال دمعي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة | السمات:قصة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 22nd, 2006 at 22 أكتوبر 2006 3:00 ص
فلسفة المطر …………
اجدت واحسنت واتقنت ما اردت
والله انها لأجمل ما قرأت
تعجز الكلمات ويحار اللسان في صف روعة ما كتبت
لا فض فوك يا سيدي
تحياتي
أكتوبر 22nd, 2006 at 22 أكتوبر 2006 4:26 ص
كل عام وأنت
أكتوبر 22nd, 2006 at 22 أكتوبر 2006 6:04 م
المطر…له نكهة الفريدة هي ايام للفرح ، للشقاوة ، للركض ، والصخب والحلم للتحرر من قيود الأيام الرتيبة
تحياتي وشكرا لك لمرورك الدائم………..شهرزاد
أكتوبر 22nd, 2006 at 22 أكتوبر 2006 7:02 م
وأهلاً بمرورك الدائم شهرزاد
أكتوبر 23rd, 2006 at 23 أكتوبر 2006 2:20 م
كل عام وانت بخير وكل عيد وانت للعيد فرحة
أكتوبر 23rd, 2006 at 23 أكتوبر 2006 8:52 م
شكراً شهرزاد، دمت بخير، وكل عيد وأنت تزيّنين فرحته.
أكتوبر 23rd, 2006 at 23 أكتوبر 2006 9:48 م
أخي العزيز عامر…
بدايةً أقول لك :
كل عام وأنت بخير….عيد سعيد وعمر مديد…إن شاء الله…
أخي العزيز…
لقد سررت بحضورك {الخجل} إلى مدونتك….
وها أنا أثمل مع ديوميسوس….ولاأدري كم كأساً شربت من كلماتها حتى وصلت إلى
هذه النشوة التي أشعر بها…
فلسلفة المطر….كلماتها هي أقرب إلى الشعر….لقد سحرتني الصور المبتكرة التي
هي في كل جانب وفي ثنايا كل عبارة….كلمات جعلتني أحلق في عالم غير العالم الذي
أعيشه وأسبح في فضاء غير الفضاء الذي أراه…أقف فقط عند آخر سحرها …
{{تتركني جاثياً على أسئلتي، عند أقدام أجوبتها الحافية }}
أقول لك :
أنت إنسان ساحر….تذكرني بالشاعر الكبير {أدونيس}…
لقلمك هذا البريق الذي يشد إليه العيون…صدقني رغم العبارتين الصغرتين اللتين تركتهما
على مدونتي شعرت أنني أمام فارس للكلمة , أتقن ترويضها فأطاعته ولم تتخلى عنه…
لن أطيل عليك….وسيكون لي عودة بل ستكون أكثر من عودة…لأنك باختصار ستكون
ضمن مفضلتي لأنها تستحق كل التقدير…
لك مني أرق وأطيب الأمنيات..
ودمت بكل الود…
هناك رسالة لي تحت عنوان {كلماتك ياسيدتي} أتمنى أن تمر عليها…مأن تقرأها بعناية
كما أتمنى أن أرى رايك مسطراً على صفحاتها…..والسلام .
أكتوبر 24th, 2006 at 24 أكتوبر 2006 2:25 ص
أخي العزيز فاروق النّمر: إن كنت أنا فارسا يحترف ترويض الكلمات، فدعني أترجّل ذاهباً إليك برسالة تقول: أنّك تعتلي صهوة الحرف كنمر يطلّ على غابة الحروف من فوق جبل. كل عام وأنت بألف خير.عامر
أكتوبر 25th, 2006 at 25 أكتوبر 2006 9:43 م
كبرت في غيابي عمرا من الأدب..
تبدولي كلماتك كصبية نضجت مؤخرا وتفتق الخصب عن تضاريس الانوثة في مكوناتها ..أصبح الجمال اوضح..والعمق أكثر إيلاما لإنسانيتنا المفجوعة بنا..دمت بخير
أكتوبر 26th, 2006 at 26 أكتوبر 2006 12:00 ص
دمت بألف خير
نوفمبر 24th, 2006 at 24 نوفمبر 2006 9:54 م
لا شيء ابدا
يسحر حواسي كالمطر .. والموسيقى الجميله ..وقصيدة
رائحة المطر تتحرش بي دوما
في كل مرة تشكل روحي .. اكثر عذوبه
ولدت ابنة المطر والريح والضباب
المطر
المطر
المطر
شكرا لمطرك عامر
كثير
لك الود
نوفمبر 30th, 2006 at 30 نوفمبر 2006 5:14 ص
أخي المبدع / عامر
كم تستحق إدراجاتك لكثير من التأمل والنقد والدراسة الأدبية حقيقة !!
ولاأبالغ إذا قلت لك إن كل إدراج ناطق بالأدب عندك يذكرني ببعض روائع المنفلوطي في كتابه النظرات والعبرات…………………… دمت متألقا.
ديسمبر 7th, 2006 at 7 ديسمبر 2006 7:57 ص
سحر المطر الذي يكتنز أحلامنا.. ورؤانا .. وآلامنا ….
ذلك الذي يفهم سر الصمت والكلام
رائعة …. لكن شعرت بأن الحوار توقف فجأة ، ،،،
ومع ذلك فهي رائعة حقا
تحياتي
ديسمبر 11th, 2006 at 11 ديسمبر 2006 4:34 م
كيفك عامر عنجد أبدعت بكل ما كتبته حتى الرسم صاير مبدع جداً إشتقناللك كثير .
(كل إنسان هو عبارة عن مستحيل إلى أن يولد. )رالف والدوإيمرسون.