أنا عابد لكل ما هو قليل الإخلاص، للمتغيّر، للفنتازيّ

    هيرمان هسّه             


مجرد حشرة

كتبهاعامر ملكاوي ، في 9 تشرين الثاني 2008 الساعة: 20:23 م

 

إلى جبران خليل جبران

 

“أنا أريد، إذن أنا لست بريئا”

طزيز ، ذو لون لامع، هو كل ما كان يُلهب فيهما الرغبة في تلك اللحظة.

نربطه بخيط طويل، نصغي لأزيزه المرتفع،ونمتّع أعيننا ببريق لونه عندما تنعكس عن جناحيه أشعة الشمس. قال الصغير.كانا يمشيان ببطء شديد ، وقد التفت ذراعه حول عنقها بحنو وبراءة.

-         لكن، كيف يمكننا أن نحصل عليه، أنت تعلم أن ذلك المخبول لا يسمح لأحد بالاقتراب من أزهار الدحنون، إنه لا يفارقها أبدا، ويقول بأنه لن يسمح للأولاد أن يعبثوا بها، فيفسدون جمالها. ردت بصوت خفيض يحمل الأمل بإيجاد حل ما.

تابع الطفلان سيرهما بصمت، قطعته دندنة رقيقة تنبعث من مدخل أحد البيوت. كانت فتاة جميلة ، تبدو سعيدة جدا، فحركات المكنسة كانت منسجمة تماما مع لحن أغنيتها، ونسيم آذار المسائي يُراقص خصلات شعرها ، بينما كانت عيناها تسترقان النظر إلى الحارة، علها تتعثر بأحد الشباب، تقاسمه فرح قلبها.

-         وجدت الحل ، اتبعيني – قال الصغير – فأسرعا الخطى.

 

*****

ناحل الجسم ، أغبر، خجول، يتحاشاه أهل القرية لبشاعة مظهره، يمضي يومه في عزلة تامة، يتأمل أزهار الدحنون، ويحرسها، وقد أعلن مسبقا ملكيته لها. يناديه الجميع بالعاشق المخبول، فهو يدّعي أنها تحبه، وتبتسم له كلما صادفها، لكنه يخجل من محادثتها.

كان منغمسا بتقطيع الحطب، عندما اقتحم الصغيران خصوصية عالمه الغريب.

-         إلى متى ستبقى ساذجا ،عاجزا، أيها الشاب الجميل؟ الجميع يعرفون أنها مغرمة بك، أنت نفسك تعرف ذلك جيدا، هيا اذهب بسرعة، إنها تنتظرك، هي أخبرتنا بذلك، إنها فرصتك، الحارة خالية من المارة، وما يلزمك هو قليل من الجرأة فقط. قال الصغير ، وقد اسرّ وجهه الباسم إلى رفيقته، بأن ما يرغبون به قد أوشك على التحقق.

تجمدت حركته، وساد الجو صمت رهيب، رمى ما بيده واستدار إليهما:

-         أحقا تريد مقابلتي، ولكن … ثم تحسس الثقوب في خلفية بنطاله، وألقى نظرة متفحصة على حذائه المهترء.

-         كل ذلك لا يهم – قال الصغير – إنها فرصتك الوحيدة ، هيا اذهب.

للحظة، وقف مشدوها، التفت إلى الخلف، حيث أزهار الدحنون، ثم انطلق راكضا.

اقتنص الصغيران نجاح الخطة، على عجل بدءا بقطف أزهار الدحنون، ليتفحصاها فيما بعد في مكان آمن. في ” الخرابة” ، على مقربة من مكان الخديعة، فتحا أزهار الدحنون، الواحدة تلو الأخرى، لكن دون جدوى، لم يكن هناك أي طزيز.

بغضب، حاول الصبي أن يرمي بالأزهار أرضا، لكن صديقته أومأت إليه بأن لا يفعل : إن وجدها سيكشف أمرنا، لازلنا بحاجته، فلنأخذها معنا، هيا نذهب.

 

*****

طويل القامة ، مملوء الجسم، مفتول العضلات، معروف بعدوانيته، ومزاجه الصعب. اختلف للتو مع أحد الفلاحين الذي لم يعطه ما اتفقا عليه من أجر لقاء تحميله لأكياس القمح. قرر العودة إلى البيت ، منزعجا، يشعر بالندم، لأنه لم يأخذ حقه من ذلك الفلاح: كان عليّ أن ألكمه لكمة قوية على الأقل، حدث نفسه بصوت مرتفع.

الفتاة مازالت تكنس مدخل المنزل، بينما يسير المخبول عَجِلا نحوها بكل جرأة، وقد ملأ جمالها عينيه، فلم يبصر شيئا دون ابتسامتها له. فجأة ودون أن يعي ما حصل، وجد نفسه أمام وجه يملؤه الغضب. نظر في عينيه ، تملكه الرعب. عرف لاحقا أن كتفه اصطدم بقوة بصدر الشاب القوي، الذي أشغله التفكير بحقه المسلوب طوال الطريق.

هنيهة، وبدأ الضرب ينهال على جسده النحيل من كل صوب.

-         ألا يكفيك ما أنت عليه من الجنون أيها السافل العفن، أين ذهب بصرك أيها التافه،قال الشاب بصوت مجلجل، وما زال يركله بقدميه حتى أسقطه أرضا.

-         توقف أرجوك، بادرت الصبية من فورها، إنه شخص مسكين، اتركه أتوسل إليك. ثم أسرعت إليه بكأس من الماء، وبصوت أنثوي حنون، أخذت تهدّأ من ثورته ،بعبارات حميمية، أثلجت صدره، واسكنت جموح غضبه. شكرها، فردت بابتسامة باحت له بما يضنّ قلبها من عاطفة جياشة ، لم تزل حبيسة منذ زمن طويل.

-         لا أصدق نفسي، هناك من يحبني ويغار عليّ، حتى من هذا المخبول الكسير. إنه يحبني، لا شك في ذلك، ما أغباني ، لماذا لم أتنبه لحبه لي من قبل. أسرّت الفتاة لنفسها بشيء من اللوم، ثم تسمرت مكانها، واخذت تحدّق بتلك القامة الضخمة التي تقف أمامها بانتشاء، فيما تسارعت أنفاسها، وبدا الإرتباك في وجهها جليا.

 

غادرها بخطىً متثاقلة، متلفتا إليها بين الفينة والفينة، بينما هي متصنّمة في مكانها، تنثر إليه ابتساماتها الفرحة الدافئة. في هذه الأثناء ، نهض المخبول ، وقد أنهكه الضرب، نفض عن جسمه غبار الهزيمة، ودون أن يُشعرها بوجوده ، هرب يتطوح بخجله مسرعا، فلم يلحظ المشاكسان في طريقه، يقفان على حافة الشارع ، وقد أخفيا الأزهار خلف ظهريهما.

ما إن اختفى المخبول عن أنظارهما حتى انفرجت الأسارير، وبدأ القفز والغناء. اقترب منهما الشاب وقد أسره جمال الأزهار في يديهما:

-         هل ابتعت منكما هذه الزهور بثمن جيد؟ خذا ما تريدان من النقود، شرط أن تعطيا هذه الزهور للفتاة التي تقف هناك.

-         موافقان، رد الصغيران بصوت رفيع حاد.

-         هل يمكنكما أن تأتياني بواحدة منها كل صباح، ولكما ما تحددان من ثمن.

-         أجل رد الصبي، بينما رمقته صديقته بنظرة متسائلة.

-         إذن اتفقنا، هيا، اذهبا إليها بهذه الزهور فورا.

 

في صباح اليوم التالي ، قصد الصغيران مكان صاحبهما المخبول. قال الولد مواسيا:

-         لا عليك، لم يذهب جهدك هباء، إنها تبلغك السلام وتقول لك بأنها أصبحت تحبك أكثر، بعد أن تحملت كل هذا الضرب من أجلها. إنها تطلب منك أن تهديها زهرة دحنون كل صباح، حتى تذكرك طوال اليوم. قالت يجب أن تبعثها معنا ، حتى لا ينكشف أمركما.

 

انتصب المخبول مندهشا لما سمع، فأسرع والتقط أجمل الأزهار، ثم أودعها يد الصبي. ورأسه مصوب نحو قدميه، حمّلهما السلام إليها.

نحو المنزل هرول الصغيران، فتحا الزهرة، وإذا به يتكور في داخلها، بلونه الأزرق اللامع. إنه الطزيز الذي لطالما انتظرا. كان الخيط جاهزا، وما كان عليهما سوى ربطه، حتى لا يفلت من قبضتهما.

بسعادة غامرة، خرج الصغيران لإيصال الأمانة للشاب، يرافقهما الطزيز مربوطا بخيطه الطويل، وأزيز جناحيه اللامعين يشنف آذانهما.

تناول الشاب الزهرة ، ومضى إلى حبيبته، فيما اقتعد الطفلان حجرين متجاورين على حافة الطريق، يتأملان صديقهما الجديد، يحلق فوق رأسيهما، يرقبان مراسم تسليم الزهرة للحبيبة.

-         إنها تنتظره، قالت الصغيرة بابتسامة مخاتلة.

 

تقدّم منها الشاب، وبهدوء ناولها الوردة، ثم أمسك بيدها. أستحوذ ذلك المشهد على انتباه الصغيرين، حتى أعاد ثقل يشد يد الصبي إلى الأعلى انتباهه إلى الطزيز.

-         تبا، لقد التهمه ذلك العصفور اللعين، صاح الصبي.

أخذا يلتقطان الحجارة من الأرض ويقذفان العصفور الذي أنهى مهمته بسرعة خارقة، ثم حلّق بعيدا، تاركا وراءه بكاء لا يهدأ.

في هذه الغضون، أطلّ من نهاية الشارع جسد نحيل مرهق. تقدّم قليلا حتى أصبح على بعد أمتار منهما، كان بصره مسلطا نحو الزهرة، وقد سكنت يد محبوبته الجميلة، التي كانت غارقة في الحديث مع فتاها القوي الجذّاب. تجمد في مكانه قليلا ثم استدار إلى الخلف، وبحركة آليّة، عاد لاهثا إلى حيث أتى.

 

 

·        الطزيز هو حشرة يعرفها أهل الريف جيدا، ولكن ربما تختلف تسميتها بينم، لها ألوان زاهية ولامعة، وعندما تطير تبعث صوتا مميزا يشبه الأزيز. قديما كانت تحل محل الألعاب في فصل الربيع حيث يبحث عنها الأطفال داخل أزهار الدحنون، حيث تجد هذه الحشرة في زهرة الدحنون مسكنا ملائما لها، يقوم الأطفال بربطها بخيط رفيع، وعندما تطير يلحقون بها وهي مربوطة إلى أيديهم.

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “مجرد حشرة”

  1. هنالك ثالوث واضح في هذه القصة..أول الحب،وعبث مجدي،واللامنطق..الجمال والقوة التي تحظى به دائما ،فالجمال ليس نهبا لأي عابر طريق،،وغرائز الطفولة التي لا تعي أنها جزء لاواع من تراجيديا الحياة،،وتلك المساحة الرافضة لقانون العيش(المخبول)..والطزيز بدى لي رمزا للمتع في الحياة..نستميت في تحقيقها ونعيش من أجل الوصول إليها وعندما نصل ،تكون بانتظارنا على أهبة الهروب أو الموت أو النهب..نتألم كثيرا ونفرح الأقل.

    وما ألاحظه هنا أن التمرد كان ضعيفا ومهزوما،كان الرفض منسحبا إلى عزلة تجرده من حاجته إلى خلق آخر لهذه الحياة..الحياة في القصة كما يمكن أن تكون في هذا المجتمع “ذو الاحتياجات الخاصة”..أين الاختلاف؟!

  2. عزيز قارئ

    لا يوجد هناك اختلاف بين هذه القصة والحياة كما أراها، ولو كان هناك ذلك الاختلاف لكنت كاذبا.

    كل ما أحاول فعله هو قراءة هذا الوجود كما هو، ,اظن أن تقديم نموذج بشري جديد لازال مبكرا على معرفتي الضئيلة حاليا، فأنا وفي هذه المرحلة من عمري المعرفي أكتفي بقراءة الوجود، ولست في صدد تقديم الحلول.

    على فكرة قراءتك للنص كانت دقيقة جدا.

    دمت بسلام

  3. جلستُ هنا لبعض الوقت

    ،

    ،

  4. مساء الخير

    يا تلاميذ غزة

    لا تعودوا

    لكتاباتنا ولا تقرأونا

    نحن آباؤكم

    فلا تشبهونا

    نحن أصنامكم

    فلا تعبدونا

    نتعاطى

    القات السياسي

    والقمع

    ونبني مقابرا

    وسجونا

    حررونا

    من عقدة الخوف فينا

    واطردوا

    من رؤوسنا الافيونا

    اللهم انصر اهل غزة

    مع التحية

  5. قصة جميله جدا بالفعل ……….اشكر قلمك كل الشكر

    ودمت بود

  6. ما اجمل ان نعيش بين احضان الكلمات
    لم يبقى لنا سوى اقلامنا لتشهد الوجود
    الشكر كل الشكر لعامر ملكاوي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



المرء إن لم تحبل به الكآبة ويتمخّض به اليأس، وتصفعه المحبّة في مهد الأحلام، تظلّ حياته كصفحة خالية  بيضاء في كتاب الكيان

جبران خليل جبران