أنا عابد لكل ما هو قليل الإخلاص، للمتغيّر، للفنتازيّ

    هيرمان هسّه             


أيننا أموات

كتبهاعامر ملكاوي ، في 23 تشرين الثاني 2006 الساعة: 20:39 م

 

أنا الذي طفق يلهث باحثاً عن بصيص حريّة قد تنبجس من خلف قضبان الغياب، لازلت أجتر بقايا صوته الذّائب في أنفاس الوقت، غادرني وقد تطامن أنين حزنه حدّ التّلاشي.

 

وصمت المكان المحموم، تركني طريد روح، شريد، أتحسس شفاه الموت فوق رَمسِه المضرج بدماء ذاكرته العجلى، علّها ترسم في ثغري قبلة الحياة.

 

(( الموت فلسفة قَتُوم، تأخذ شكل ترف وجودي، يختصر الحياة في مشهد تراجيدي ساخر يقدّم لمرحلة الإنتقال إلى فنتازيا الحقيقة المطلقة)) ، صرخ صوت ملأ أعماقي.

 

على مرمى قبر من جثّته الثّاوية تحت صقيع التّراب، على أنقاض دقائق تستبق ذاكرة النهار،صحبة الحنين يملأ ما في جعبتي من كتب ابن عربي وجبران خليل جبران اقتعدت صخرة شاحبة تعتلي مداد الأرض، تعكس حمرتها نزيف الشّمس الزّاحفة إلى المغيب في أفق كامد .

 

(( عادي أن يتّخذ هارب مثلي هذه الصّخرة عرزالا، كمآلً))

 

في حضرة عشتار المساء(الزّهرة)، عند أقدام الكون، جلست إلى جسده الغائب، أتأمل جمال اللحظة، في مشهد صوفيّ صاخب، وقد بدأت جدائل اللّيل تتلون برماد السّنين، تنزلق على كتفَيّ بوقار عاشقة حنون، ما إن استسلمت لها الرّوح حتى تبدّت لي السماء آلهة إغريقيّة تلبس ثوباً من السّواد، مرصّع بنثار ماسات لألاءة، يعكس وميضها ألق الخلود، تطوّق عنقها لؤلؤة قمريّة باذخة البريق، تمرّدت على فتنة بهائها اللّاهب.

 

أمام هذه اللوحة السوريالية الدّاكنة، أخذت خيوط الشوق تعيد حياكة هيبته الغافية في أزقّة النسيان، أملاً بعودة ثريّة تمنحني حق الإحتفال بحضوره المفعم به، فيقاسمني نشوة الذوبان في هذا الترف الكوني الأخّاذ الّذي يلثغ بتراتيل البقاء.

 

غمرة الإندماج بروحه اللّائبة، خالجني إحساس يقينيّ مبهم بحقيقة وجوده الماديّ، فأطرقت نواظري تتناثر في أرجاء المكان علّها تتعثّر بما يشي برجوعه. بين وثبتين، انداح بصري في المدى كشعاع قدريّ موجّه بقوّة خافية، وإذا بي ألمح طيف أسمالٍ ترتدي جسدأً مضيئاّ اختلطت معالمة حتى بدى ملاكا أرهقه التّرحال. أخذت الصّورة تقترب منّي خطوة إثر خطوة والمشهد واحد: أسمالٌ رثّة و(لاجسد) بضوءٍ خجول، كان شيئاً يبعث على الإختناق والإنعتاق في الوقت نفسه.

 

 

(( في الماوراء تصبح المسافة زمناً متجمّداً))

 

فذلك الملاك النّحيل بدى أمامي كما بدى لي في الأفق البعيد.

 

((  أيتجمّد البصر في الماوراء أيضاً، أم تنعدم الحواس عندما نفيض عن إدراكها؟))

 

أخرس الجوارح، متخم الحواس، مكتوف اللسان أقف على عتبة الجنون، أتسلّق سلّم المجهول عبر نظراتي العاجزة، في محاولة أعجز من أن تمتطي جوانح الحقيقة. في لحظة أقرب إلى الهذيان، يتبدّل كلّ شيئ، وكأن ما كان لم يكن سوى نوبة صلاة في معبد الرّوح، ننفصل فيها عن أجسادنا، تعود بعدها رتابة الأشياء: يشتدّ نبض الوقت، تتباعد المسافات وتتقارب ، تفيض الحواس عن إدراكنا، لنصبح سجناء ذواتنا من جديد.

 

((مهما كانت هشاشة النّفس البشريّة، فهناك دائماً طاقة جامحة تنطوي على خوف بليد، تغرر بنا، كنوع من المقاومة لمواجهة الحقيقة، لعلمنا في لاوعينا ببشاعة الحقائق الجزئيّة، ما يجعلنا على الدوام نراوح ابتعادنا عن الحقيقة الكليّة)) ، قلت مبررا عجزي.

 

ذلك ما دفعني للإيمان بأن ما كان لم يكن وأنّ في النّفس البشريّة ما لا يمكن تفسيره، (( وهل نحن إلّا كائنات عقيمة، عاجزة عن إثبات سببيّتها كموجودات؟))

 

بين فكرتين، لتبرير الحالة، أيقنت أنّ هناك حقيقة حتميّة أكيدة لا تحتمل الشّك: أنا لاحق، أقف متسمّراً في منطقة الوعي، أتلاشى في أحداقٍ ساطعة الحضور، كالمخمور، يتبعثر بصري في عينين غارقتين برُضاب حياة ، عذب، شَرُوب…….. كانتا أحداق سابق.

 

* * * * * * * * *

قال: كانت روحي ثاوية بين الحروف. تهامسك، بينما أنت تلبس صوف الكلمات ، تفترش الصّفى، وجثة الكون ملقاة إلى قفاك بينما أنت تنشد أغنيات التائهين … أتيتك روحا أغواها الحنين، فلا تبخل بما جادت به سرائر العارفين.

 

عندها أيقنت أنني لم أفقده، بل افتقدت دفء حظوره، فأتاني نقيّا خالصا. ثمّ أطرقت أردد على مسامع الأفق :

 

هل فرشت العشب ليلا         وتلحفت الفضا

زاهدا في ما سيأتي             ناسيا ما قد مضى؟

أعطني الناي وغني            فالغنا سر الوجود

وأنين الناي يبقى                بعد أن يفنى الوجود

أعطني الناي وغني            وانسَ داءً ودواء

إنما الناس سطور              كتبت لكن بماء                     (جبران خليل جبران 

 

 

وبعد أن انتهيت من النشيد، أصاب قواي الوهن ولم أعد أرى شيئا في الأفق. عندها جاءني صوت ابن عربي مزمجرا: الناس نيام فإذا ماتوا استيقظوا.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

7 تعليق على “أيننا أموات”

  1. فجعتني هده اللغة المفعمة برائحة الموت

    ما زلت فتيا

    0ان العيش شئ جميل يا صديقي……كما قال ناظم حكمت

    انا اعتقد ان ديوميسوس صار اجمل بعدما ثمل وكلنا نصير اجمل عندما نثمل

    سعدت بتصفح هده المدونة الجميله المليئة بالومانسية والقهر والحزن ما زلت فتيا يا صديقي

    ودع كل ما ينهار منهارا ولا تلق السلام علىاحد

    وادعوك لزيارة مدونتي (أرصفةوشبابيك)

  2. حماك الله من هذا السواد الذي يخيم على قلمك عوتنا ان اصبر على الحزن وان نقوى بالقلم وان تنفسنا دموعً كلماتنا تنسينا حزننا ،ابعد عنك هذه الصور فأنت حر ما دام قلمك يخط حبره بكلماتك الرقيقة الصامته .

  3. عامر..

    ماهذا الصخب الفجائي ،، لماذا كل هذا الألم والخذلان..!!

    لقد تأثرت من لغة الشعر السوداء التي تحوي نثرك المجنون الطاحن الغارق بالكآبة..

    نحن معك وسنظل معك.. بشويش على قلبك فهو لا يتحمل كل هذا الألم..

  4. كفاك حزنا صديقي العزيز

    فلا أحد يستطيع أن يقف بوجه الموت ونمنعه من الرحيل بها ..فمن ذا الذي يستطيع أن يبعد شبح الموت عن انسان يحبه؟

    تحياتي ………….

  5. أخي/ عامر

    كل الشكر لمرورك على مدونتي

    يبدو أن مدونتك منحوتة من جدار القلب……………….

    تحياتي………. وبالتوفيق

  6. عامر

    كل الغائبين يتجددون بنا

    يحملوننا ارواحهم لنحيا بها مع الباقي من حيواتنا

    كل الاعزاء قد يغيبون لكنهم لا يغيبون اذا واصلنا بنبضهم الذي لا يموت فينا

    كل هذا المحيط من الابحار في ذكراه وما يتجلى منه فيك

    سيزهر فيك بعد حين تفسيرا جديدا للآتي

    دمت ابنا وفيا للكلمة

    وامد الله عمرنا كي نعلن هنا معا

    اعمارا ملونة باحرف تنبع ايضا من صميم القلب

    فانت اوسع من ان تحيطك

  7. انا لله وانا اليه راجعون اخي …

    هي ذي حكمة الله حياة وموت ولا نستطيع ان نخلد فيها ابدا …

    رفقا بنفسك اخي …

    اسال الله يبدل قوة حبك لصديقك صبرا على فراقه…

    دمت طيبا وفيا اخي…



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



المرء إن لم تحبل به الكآبة ويتمخّض به اليأس، وتصفعه المحبّة في مهد الأحلام، تظلّ حياته كصفحة خالية  بيضاء في كتاب الكيان

جبران خليل جبران