أنا عابد لكل ما هو قليل الإخلاص، للمتغيّر، للفنتازيّ

    هيرمان هسّه             


همس الأرواح

كتبهاعامر ملكاوي ، في 16 شباط 2007 الساعة: 08:24 ص

يا خليلة الرّوح، ما سرّ شقائكِ، وما هو مطمحكِ؟

 

- يقول هسّة  : (( إنّ الرّجل الكامل الذي هو أنا الجوّال الخالص، لا ينبغي له أن يفكّر بالحنين، لكني أعرف أنّي لست كاملاً وأنّي لا أناضل لكي أغدو  كذلك. بي رغبة لتذوّوق الحنين، كما أتذوّق المتعة)). ويقول (( إنّ مطمعي هو أن أبقى بغير ما رضى وأن أملك القدرة على تحمّل كل هذا القلق )). وأراني شبح روحه، أورثتني مآتيه شقائي.

 

- وأنتَ يا سكون عزلتي، يا من أودعته الغيوم حكمة المطر وطهّرت مسامع قلبه موسيقى الماء، أسمعني لحنك.  

 

- أنا نفس رَحُول أناختها أثقال المادّة ،تتبع خطى الرّوح، تقتات القلق، وتنتعل الحنين. وقد تسألين : مالكَ تستجدي الرّوح ولك عناقها، تقتات القلق وأنا السّكينة، تروم الحنين وشبحي ما برح يقتفيك؟ لأجيبك : إنما الكفاية موت، والوصول هلاك، والقناعة كنز يفنى، واللهفة بعث، والحنين خلود.

 

لكن، هل يقتلني فيكِ الحنين؟ وهل أبلغ الرّضى إن بلغتكِ؟ لا أضن ، فلستِ في باب الوقائع، ولا في زحام العاديّات، قولي لي، أتضنين بالحقيقة شقاء وبالشقاء حقيقة؟

 

إنّ صِغَر الإنسان في تخمة ذاته، وألوهيّة الرّوح في جوعها، وأنا روح ألجمها الحنين فجاعت حبّاً، أضناها  الترحال فعطشت حزنا. إنما الحياة الشعور بنقائضها، والشعور نشوة لا تتحقق، تحاكي عاطفة الخدر بعد فناء الحرمان.

 

يقول الإنسان الإله : قبل البدء كان الحنين في الأزل، وبعد (كُن) اقتعدت الحرّية عرش الأبد، ومازالت السعادة تذرع المسافة على أديم الحياة والحب طيّ جناحيها، تنظرنا من خلف نقاب السّكينة الصّامتة فتقول : (يا أيها الإنسان، جاءت بك الرّغبة وخلقني الحنين، تقتلك الرّغبة ويحييني الأبد المستحيل، تحيى عبد مطامحك وأتطوّف بك إلهً، أقبّل أيدي الحنين طورا، وأسجد لسلطان الحرّية حينا ولازلت ترتجيني، أي معبود تراك؟. أن يتّحد ضدّانا، ذاك قول الجاهلين، فهل يهادن الليل شمساً؟ وهل تستأمن الأوراق خريف؟

 

قم، تهيّب، شهّل عن وجهك لحف الكرى وافتح نافذة الفجر يسكنك النّور، انزع من النّفس أناك، أنت والوجود كلّ، كلّنا ظلّ الإله. أن أحبّت نفسك فلتزهد إنّ التصّوف عبادة، وإن رغبت فعليها بالوصل فهو جفاء، وإن هامت فالصّبر عزاء).

 

 

حاولت أكتب إليكِ كثيراً، فأستكلم خرس الحبر، وأستفسر صمت القرطاس، لكن الكلمات صمّاء، واللغة عاقر، والمعنى يفيض عن البوح. في الأمس جاءتني إلهة الكلام غضبى، موبّخة،  فقالت : أي مستعطٍ جحود أنت، أتضيق بسّرك مُخبرة الأسفار وقائلة الأسرار؟ أم كفرت بي لتؤمن بإلهة الصّمت؟ فأجبتها من خلف ستارة المعنى بلسان قلبي : يا ابنة الفاقة، أيعبد الإله معبداً؟ وهل يصير القربان إلهً ؟ فأطرقت مزمجرة وتلاشت هباءً في الهواء.

 

أي شقيّ هو المحب، خُلق ليشفى من المحبّة بها، وأيّ تَعِسٍ هو الرّاغب، خُلِق ليعتلّ بالموت.

 

 

بهمس الرّوح أناجي طيفكِ، بحبات القلب أشعل قنديل ليلكِ، وبلا لغة أُسمِعُكِ نحيب العناصر تلطم وجه الغياب أن جازفت نحتكِ، أو خاطرت رسمكِ، فأنتِ مستحيلة على الخيال، واسعة عن المعنى، أنت لحن حزين يعزفه الجمال على ناي الحنين.

 

قد يضنّ كل من يقرأ خطابي إليكِ أنّك امرأة حائرة ، أو وطن حافٍ، أو قضيّة خرساء، لا عليكِ، فلستِ حريّة بالشّك، ووحدها الحقيقة تعنيني.

 

لأنّ المرأة وطن والقضيّة وطن والوطن وهم، ولأنّكِ لاشيء، فلن تكوني وطناً أبدا. إنّ الأوطان لا تعي مطلق الحب وأبديّة الجمال ومادام هناك أوطان فسيظلّ الإنسان أسير عبوديّته.

  

 

   

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من لا وعي المعنى | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “همس الأرواح”

  1. جميل أن تحبّ فكرة لحياة أخرى،وأن تستبق إنسانيتك لتعيش نورا ليس يبهر الآن عتم الدنيا..ويفيض بك ضياء روح..جميل ترّفعك عن طينك..جميل حنينك إلى المستحيل..دع دنيا العابرين،واجعل لنفسك محارة لا تسكن سوى السماء ، عل فضاءات السماء تسع بعضك..دمت بخير

  2. انعجنت بالفلفسة و انعجنت بك . تائه حائر انت يا صديقي اطلقت لنفسك وشياطينك العنان فأنت في قرارة نفسك حتى وان لم ترد الاعتراف لا تعرف ماذا تريد والى اين تريد ان تصل. صدقني لا تحتاج الحياة الى كل هذه التعقيدات.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



المرء إن لم تحبل به الكآبة ويتمخّض به اليأس، وتصفعه المحبّة في مهد الأحلام، تظلّ حياته كصفحة خالية  بيضاء في كتاب الكيان

جبران خليل جبران