مصاب بالحنين
كتبهاعامر ملكاوي ، في 25 آذار 2007 الساعة: 14:57 م
غريبا في ليلة عرس شقيقي، جلست إلى كرسي وضع بدقة متناهية على حافة الطريق، تجانبني من اليمين أحلام مستغانمي ،ذاكرة بلا جسد ومن اليسار كآبة جبران خليل جبران، بينما يُفتح باب الحيرة أمامي على مصراعيه فأعبره عَجِلاً إلى متعة الشك بكل شيء : بالحزن والفرح، والحب والرغبة، بالمطلق والروح والجسد، الشك بكل ما هو بديهي واعتيادي، فقد طالما انتظرت أن تتبدد مخاوفي المتمردة وآن أن أذيع ما ضننت من كفر.
عالم من المتناقضات يلبس ثوب الفرح في عرس ملحمي. فعبر نافذة الشك يبدو كل شيء سواه : والدي يرقب مبتهجا قفزات المسرورين بنسقها الرّتيب، يترنح تيها على إيقاعات الطبول وقد انعتقت روحه من خلف تجاعيد الكهولة وأنغام الناي تملأه لهفة لخيالات الشباب. فيما حانت لي حلقة الدّبكة وقتئذ كأنها خيط دود مرتعش يدور حول جيفة من الأحلام نهشتها مخالب الحياة. ألفيت الصبية يركلون الأرض بأقدام الخيبة وسمعتهم يشتمونها عبر لهاثهم المتصاعد، ولم أجرؤ قط على سؤالهم عن السبب، لكني تذكرت أن الإنسان يرقص فقط عندما يكون عاجزاً، ولا أظنهم كانوا يرقصون تعبيرا عن عجزهم عن البوح بفرحهم.
على مسافة أغنية مني، صبية تستند إلى عاطفة خرساء، مملوءة القلب حنيناً وشت به أحداقها المسافرة إلى عالم يلبس أسرارها العميقة … عالم من الاستفهام … شاب في مقتبل العشق، يحلّق كالنسر فاردا جناحيه وقد لوحته شموس الحب القديمة - المحتجبة بنقاب الشرف والعرف والعيب والدين - يمارس طقوس الإغواء عن بعد. وكخلفية موسيقيّة فريدة أثرى المشهد ازدحام الفضاء بحشود من الزغاريد التي انفلتت من الألسنة المعقودة لتبوح للأثير بزمن غابر طويل من الصمت.
عكس الناس، ولأنني مصاب بعذوبته، باغتني الحزن على حين فرحة سكينا بأبهى حلله، تساءلت : هل يجذبني إليه هدوءه الساحر، أم أن روحي الظامئة أبدا تتلذذ حلاوة رشفه؟ حملني ذلك الشقي على بساط الذاكرة من غربتي المقيمة هنا في قريتي إلى غربة أشهى … إلى بغداد، عندما كان يطوقني الذنب كلما أحسست بشيء من الفرح، حتى أجدني ممسكا سماعة الهاتف سائلا أمي وأبي وإخوتي إن كانوا مسرورين مثلي كي أبرر لنفسي فرحها، أو لربما كانت أصواتهم المجروحة تسرقني من فرح لم أعتده عمري.
لكأنه كان يحضرني لصفعة حب محموم يئن في صدري ، يوسعني ألما. تكالبت عليّ أشباحك الكثيرة : طفلة تلبسين معطفك الأسود وقبعتك الصوفية الحمراء، تلحقين بي قطّة صغيرة بعدما أخطأت قدماي موطئ الموعد لتنبس باسمي شفاهكِ المتورّدة ثم أستدير لأرى أجمل وردة أهدانيها أجمل صبح في أجمل لقاء بين مسافرين غريبين على سلّم ضيّق يقود سكينتهم إلى معرض صور للوجوه القلقة. كانت أحداق ذاكرتي تتفرس تلك الدموع المتأهبة التي لطالما فاضت عن عينيك المتواريتين خلف العدسات المكبرة للشوق، فاضحة صمتنا المنهوك على مرأى من فضول الموجودين في المكتبة … حيث أضاع الغياب عناوين الكتب واشتاق زحزحة الكراسي . شعرت بشيئ من المرارة تسيل في أعماقي، تماما، كمرارة قهوتنا النادرة
رأيتُنا طيف عاشقين مختلفين، نرسم بجدلنا المزمن في المطلق والوجود والإنسان والدين والروح وجه الحب النقي على أرصفة الأحلام ، اشتاقت خطانا في كل شبر من شوارع المدينة، حيث كانت تحتفي بنا الأشياء عندما نعبرها مترنمين بقصائد عشق تختلط بأنفاسنا الدافئة. زرعتني الذكرى زهرة ذابلة بين أنقاض المعابد والقصور فوق ذلك الجبل فتبدّت لي صورتك إلهة أسطوريّة نزعني من الوجود بريق عينيها المكلوم عندما قرأت في إحداهما حكاية الجمال وفي الأخرى وصيتي التي لم أكتب.
تذكرتكِ بكل تفاصيلك وحالاتك ومزاجاتك ، دموعك وابتساماتك، تذكرت كل شيئ، إلا أن شريط الذكريات توقف على وجعي : ها هو رقمكِ يظهر على شاشة الهاتف … أين أنت الآن؟… حضرت لأودعك … يتسارع نبض قلبي، أشعر بضيق يأكل أنفاسي، أترك حقائب سفري في قاعة الانتظار، أخرج مسرعا حيث تنتظرين … تنهضين عن المقعد، تتقدمين نحوي بتؤدة لأرى امرأة سواكِ … كسيرة شاحبة بدت في وجهها أمائر الموت. طفحت عيناك بوافر الدمع العصي … حان وقت الفراق، تفتحين حقيبتك الصغيرة، تخرجين منها قنينة ماء كانت قد لامست شفتيك المرتعشتين، تضعينها في حقيبتي بينما أفتش فيها عن دفاتر حبّك التي طلبت أن أعيدها إليك لتفرغي عليها شوقك القادم – كأنّك كنتِ تعلمين أننا لن نلتقِ ثانية – تهدينني تلك الرواية( زوربا) التي اتفقنا أن نبدأ قراءتها سويا حالما افترشتُ آلة السفر. تصافحيني موصية : اعتنِ بك، تديرين ظهرك حانية الرأس ولازلت أتحسس ملامس الوداع تحرق يدي، تمضين إلى حافة الطريق كي توقفي سيّارة أجرة، أتقدم نحوك دون أن تدركيني خلفك، أنظر وجهكِ لأصاب بدموعكِ وقد انفرطت كحبات الماس مذيعة سرّها للطريق. وما إن تستشعري وجودي حتّى تسرعي الخطى هاربة من ضعفي ، فأقتفي أثر الكآبة ترافق جسدك المبتعد، ولأوّل مرّة أطلبك على الهاتف فيما أنت تسيرين أمامي، تسابقين الألم، ليوجع صوتك المخدوش قلبي وأنت تقولين : يا حقير …. أحبك.
انتهى العرس وأغلق عقلي متخما على صراخ الأسئلة تعلو وتهبط في فضاءاته الشاسعة ، غير أنه كان هناك سؤال ما برح يلحّ على تجاهلي : لماذا أنا مشغوف بالحزن؟ ولكي أجيب فضوله، اقتربت من تلك الحقيبة المركونة إلى زاوية الألم في غرفتي، وقد أغمضت عليكِ كزهرة الدّفلى، فتحتها، قلّبت دفاترك وكتبك، لكن، وبكل ما يُثقلها من الكلمات كانت عاجزة، فما كان لي إلا أن أطرق ليلك علّه يفضي لضياعي بشيء من النور، نزعت عني لحد الخوف من المواجهة، تأملتك غائبة، مليئة بالحضور … سمعتك بآذان قلبي تقولين : أنت في الحقيقة وحيد، وما الحزن إلا أن تعي حقيقة ما أنت عليه. أيها الوجداني ، سيرافقك الحزن أبدا، فهو لحن الرّوح العذب، وما عرفتكَ إلا روحا تلبس جثّة بشريّ خرج ميتا من رحم العدم. ولأنني مؤمن بعجزي، طفقت أرقص كالمخبول على نغم أغنية علويّة جاءتني بصوتكِ الشّجي : أنا رجع الحنين في كهوف الغياب، أنا صوت الخلود، أنا البداية والنهاية.
الآن وقد أنهكني الرّقص، ورقدت على سريرها الكآبة قبالة أسئلتي الأزليّة، دعيني أتجرّد قليلا منّي وأخبركِ بشيء عرفته للتو : أنا تماماً عكسكِ، أبحر على سفينة الحب إلى شواطئ العقل، لأن الوجود فكرة لا يدركها إلا من أحبها، وقد طالما تعانقت أرواحنا طي أجنحة العشق لكنّه كان نهايتنا وبداية معرفتنا، فهل أحببتني فكرة أثيريّة تختصر ما يخبو من الحنين تحت أنقاض الطين؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة | السمات:قصة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 25th, 2007 at 25 مارس 2007 5:14 م
العزيز عامر..
سرد يطوف بنا في أرجاءك كما يطوف راقص الباليه برفيقته في الرقص..
نص يجول في أعماق النفس البشرية..
واسمح لي الآن أن أختلف معك في فكرتك عن الرقص..
الرقص ياصديقي لا يمكن أن يكون تعبيرا عن العجز..
الرقص مثله كمثل بوح الكتابة والرسم والموسيقى..
هو وسيلة تعبير حين تعجز أدواتنا عن الإفصاح عما يعترينا من فرح وغضب..
ألا ترى نفسك تدق الأرض بقدميك حين تغضب..
وتدور حول نفسك مثل الفراشة إن ابتهجت..
و يتمايل رأسك فيما تحلق يداك في الفضاء إن أطربك صوت أو لحن شجي..
عرفت الآن سر اختفاءك.. كنت منشغلا برقصة الحزن..
حتى نزار قباني شبه الكتابة بالرقص في شعره..
سيدتي عندي في الدفتر،
ترقص آلاف الكلمات..
جميل غيابك.. حين يأتينا بالأجمل مما كتبت..
مودتي وتقديري
ربيعة الناصر
مارس 28th, 2007 at 28 مارس 2007 12:47 م
ارقص متى تشاء .. ارقص كما تشاء .. ارقص فوق ارض جدباء .. ارقص تحت قطرات ماء .. نازله من السماء .. ارقص ويرقص معك الهواء .. ارقص وعبر عن حزنك الابدي .. في لحضه سعاده قد لا تأتي ..
نص يسحر كل من يتأمله ويطوف به في عالم غريب جدا .. قد اعتقد انه حقيقه .. ولكن ليس الا لحظات يغشاني بعدها الهذيان .. واجزم ان عالمك غريب .. فأنت كنت الحبيب قبل ان تكون الحبيب ..
دمت عاشقا راقصا مبدعا
أبريل 4th, 2007 at 4 أبريل 2007 2:30 ص
عامر ملكاوي
إنها قطرات العشق الصارخ من أعماقك لماذا اليوم لماذا هنا لماذا أنت لتقف عند إجابة واحدة توقف تدفق بركانك الدافيء… إنه القدر
سلمت وغنمت
أبريل 28th, 2007 at 28 أبريل 2007 5:54 م
الأستاذ عامر ملكاوي
الآن وقد أنهكني الرّقص، ورقدت على سريرها الكآبة قبالة أسئلتي الأزليّة، دعيني أتجرّد قليلا منّي وأخبركِ بشيء عرفته للتو : أنا تماماً عكس ما تعتقدين، أبحر على سفينة الحب إلى شواطئ العقل، لأن الوجود فكرة لا يدركها إلا من أحبها، وقد طالما تعانقت أرواحنا طي أجنحة العشق لكنّه كان نهايتنا وبداية معرفتنا، فهل أحببتني فكرة أثيريّة تختصر ما يخبو من الحنين تحت أنقاض الطين؟
نحب من يفهمنا ونفهمه أً نقول وداعا لذلك الحب؟
أبدعت
أبريل 28th, 2007 at 28 أبريل 2007 9:33 م
يجب أن تركز في القراءة جيدا يا استاذ لؤي : قلت أن الحب كان نهايتنا أي النهاية التي افترقنا عندها ولم أقل أنه كان نهاية المشوار. عادة أكون دقيقا في مثل هذه الأمور لأنها لا ترى بالعين المجردة ، هي دائما خلف الكلام تقبض على خاصرة المعى العائب.
سعدت بزيارتك أستاذ “لوي”
أكتوبر 11th, 2007 at 11 أكتوبر 2007 11:45 ص
احتاج ان اقرأها أكثر!
احتاج ان استعيد الكلمات!
بصدق … أذهلتني مدونتك!
سأعود … حبن استجمع الحروف!
.
.
أح ـــلام
ديسمبر 30th, 2007 at 30 ديسمبر 2007 7:17 م
هي تشبهني في جملة واحدة .. : يا حقير … أحبك.
انثى مغرية.. و طفلة مشاكسة…
تشبهني ..
حنين