أنا عابد لكل ما هو قليل الإخلاص، للمتغيّر، للفنتازيّ

    هيرمان هسّه             


مناجاة ظِل

كتبهاعامر ملكاوي ، في 1 أيار 2007 الساعة: 19:35 م

                 
حزينا كان ….
وحيدا مع أغنية لعوب ، تعبث بنهود إجابة تهتز في صدرها لفرط غواية أسئلته: ( أنا عندي حنين ما بعرف لمين). من وراء غربته يحدق بقصاصة ملصقة على الجدار، كان قد كتب عليها يوما : الوصول إلى إجابة يعني الموت. بينما يُلقي برجليه المرتخيتين على طاولة المكتب مودِعاً كرسيّ قلقه الهزاز جثته الواهنة. يُشعل لفافة وينفض دخان الكآبة يتجمع في عينيه. لأنه سئم الحياة راحت نواظره تبحث في شعث الكتب عن كتاب ابتاعه ولم يقرأه، كانت قد أسرته بلاغة عنوانه ( الحياة كما هي من ثقب الموت)، علّه يفضي إليه بإجابة ما. أشعل لفافة ما بعد الخمسين وقرأ :
 
في مغارة تدعى تافوغالت استيقظ من رقدة  بدأت قبل عشرين ألف سنة من المسيح وقد ملأت صدره دقائق المكان وأحاطت عنقه حلقات الزمان. فََزِعاً نهض كأنه تنبه لفجيعة ما، خرج من ظلمته مسرعاً لتجتاحه ظلمة أخرى بعدما شاهد أن الشمس انكسفت حييّة من سوءة الأرض، ما أضفى على قلبه الارتياح، حيث لن يكون هناك ما يستدعي ستر سوءته طالما تنقبت عين السماء بغبار خطيئة العصور، لكن، رغم تلك الفسحة من الحرية التي انتزعها جسده المفضوح من قبضة الظلام، كان قلبه يُسرّ فيضاً من قلق أخرس يهصر انصاب الصمت النامية على أديم أعماقه البعيدة … هي لم تعد موجودة في أي مكان، لقد أضاعها حال وعيه. ولهول ما تبدّى له من شؤم دقائق يقظته الأولى، طفق أيراسمار يبحث عنها كالمخبول. يتذكر أنها كانت دوماً في متناول عينيه تستجيب لهمس قلبه وتترنم بأغنيات روحه الحائمة فوق هالتها الساكنة أينما حلّت. كانت وجه السعادة المنقوش في وجوه الأشياء. تاهت عنه أم تاه عنها، لا يعلم، لكن الحقيقة الوحيدة التي باتت أكيدة هي أن ابتسامتها المهيبة ما عادت تعتلي الذرى ولم يعد لعبير الورد دونها نشوة الذوبان في فراغ الأثير الرمادي. حتى الحجارة في عينيه بعدها أمست لا تتوفّر على غير وجودها، لكنه لم يذعن لنداء كآبته، ما جعله يرى إليها بلواحظ الأمل المستترة بعينيه في السماء، إلا أنه لم ينظر سوى سحابة على سفر، تلاشت في شحوبها رغبة البكاء، ما حاول أن يفسره أو يبرره عندما تساءل: هل صارت إلى ذلك بسبب الحزن أم من أجله؟
 
بدا له الحزن في كل شيئ. إلا أن قطرة الأمل المستقرة في جوفه مكنته من الوصول إلى الشاطئ كآخر مطاف – لأنه موئل الغرباء – دون أن يشعر بجفاف حلمه. ابتلعت تلك الغصّة القابعة في المسافة ما بين الألم والأمل ما تبقّى لديه من فتات اللّهفة، فما واحدا، حالما استلقى البحر أمامه كجثة موت عتيق باذخ السكون وقد واراه الموج المهاجر أغنية الرّحيل وكفّن الزّبد المزمن بوح أعماقه.
 
فكر أيراسمار مليّا في أنه لابد لمثل هكذا عظيم من جنازة تليق بهزيمته، لكن البحر أعمق من أن يعيه صدر تائه أعزل… فما كان منه إلا أن مدّ ذراعيه جهة السماء وصاح بأعلى صمته: هكذا هم الغرباء، يولدون في السماء ويموتون على تخوم المرافئ هادئين، منتصرين، منكسرين.
 
إن الكلام لن يأوي صمتك كما أنه لن يختصر المعنى الذائب مع ملح هذا البحر المسجّى أمامك – قال في سرّه – ثم رمى بجسده المزيّا بالعري على الشاهد الرمليّ ليمنح البكاء ما لم يمنحه الحزن، غير أنّ الدمع غاب عن وعي حضورها المنشود، فهي مازالت ثاوية خلف الأزرق كمجهول.
 
نهض من غربته المطلّة على رحيل الرّحيل والدموع تملأ أحداقه الجائعة دون أن تُبلغه متعة اللقاء مع الحرمان القابع على مرمى ذكرى من طيفها الشارد من قضبان بصره العاجز.
 
أشاح بوجهه عن كل ما يحيط به من الكائنات المستوحشة، وباتت تجاعيده المنقبضة تحاول الإبقاء على صرخة تكبره بغياب، طفق يطلقها هادرة في فضاءات نفسه السحيقة : لا رهان مادمتَ لا تملك شيئاً من لا شيء يجعلك عبداً أضاع سيّده إذا ما أسلمت للنوم يومك وللحلم غدك. ولأنّه ايقن بأنه أمسى الخاسر الوحيد، قرّر أن لا يراهن حتى على ما يظنّ به، فهمّ بالرجوع إلى كهفه الملغوم بالأسود، فما عاد في طوقه الإجابة على سؤال يلحّ على عجزه : أيكون تدرّج اللون هو الحد اليتيم الفاصل بين الأبيض والأسود إذا ما فقد جدواه النور؟
 
عند المغيب، في طريق عودته إلى مخدع ذاكرته المصابة بالحنين، أستوقفه ظلّ يتبعه ولايشبهه … هو الذي افترق عن ظلّه، متخاصمين منذ أن حدّق جسده العاري بوجه الشمس التي أمست خجولة حدّ الغياب تاركة على منكبيه ضفائرها المذهّبة برهان حياء أنثوي وعنوان بقاء. التفت إلى الخلف وإذا بشيخ طاعن في السن، رأى إليه مستغرباً إذ أوحت إليه لحيته البيضاء وعباءته المفضّضة أنّه دخل الهزيع الأخير من الحكمة، فهرع إليه يسند مشيته المتمايلة ويسأله عن سبب وجوده في ذلك المكان المهجور إلا من الوحشة والبؤس، إلا أنّ الشيخ بادله بذات السؤال، بعدما أخبره بأنه كان يرقبه منذ أن استيقظ، ما دفع إيراسمار أن يسأل ثانية عن هويّة ذلك الشيخ الغريب، فيجيبه بنزق: أنا بيراباس ملك الجان، خلقت مذ خلق الإنسان وشهدت جميع خيباته منذ التفاحة الأولى حتّى سئمت رغائبه المتناسلة كالذئاب فقطعت على نفسي عهداً بأن أرحل إلى أرض لم تطأها قدمه ولن يصلها نهمه. وعندما أتيت إلى هنا، اتخذتُ من كهفك مأوىً بعد أن أيقنت أنّك غارق في سبات أنانيتك إلى أن استيقظتَ من رقدتك، وقتئذٍ انصرفت أراقبك في كلّ خطوة فأذهلني ذلك القلق البادي في وجهكَ، ولهفتكَ لرؤيتها بعدما هدهدت طفل ذاتك، وغطّت بأجفانها الساهرة على أحلامك الظالّة. فملذات أترابك الكفيفة وشهواتهم المفترسة اضطرّتها إلى أن تعيدهم إلى رشد إنسانيتهم فاختبأت منهم في أعماقهم المنقطعة عنهم، ما لن يدركوه إلا عندما يغمضون إغماضتهم الأخيرة، حيث لن يكون بوسعهم البقاء على أهبة الندم.
 
لقد عاصرت كلّ صنوف البشر في كل الأصقاع والدّهور. سأخبرك بسرٍ قضوا من أجله ولم يدركوه : أنت في الحقيقة وحيد، في اعماقك وحيد، لن تٌبصر النور مادمت تنظر بعينيك ولن تسمع نداء الأبديّة ما دام صوتك يملأ أذنيك. أنت أغنية الطين. ستتناهى إلى مسامع الأثير، ولن يرثيك سوى الحنين.
 
لسعة خفيفة من زهرة السيجارة التي تحتضر بين أصابعه تحت وطأة الرّماد نبّهته إلى احتمال وجود إجابة ما، قد تشفيه من حمّى الحياة … انبطح أرضا في محاولة أخيرة لاستحضار نهاية لكل ما يجول في نفسه من السؤال. أغمض عينيه مطلقا ما تبقّى لديه من أنفاس اليقين عبر تنهدة متعبة، سافر إلى أعماق أعماقه مردّدا على مسامع قلبه، كلمات بيراباس الحكيم التي لازالت أصدائها تملأ خلايا وجدانه السائر إلى المجهول، وإذا بها تنكشف عليه من وراء حجاب ضبابيّ، جالسة إلى خدرها، مستندة إلى عمود من نور، ممسكة بريشتها ترسم حزينة، زنبقة تبتسم بثغر رضيع، ما لبثت أن انتهت منها حتى حطّت عليها دموعها السخينة، فراشات فراشات. ما دعاه أن يطبق على وجعها أجفان يقظته ويخاطبها بلسان قلبه معزيا: لا يسعنا سوى الحنين، نحن المسافرون أبداً. ثمّ أسرع إلى الجدار وانتزع تلك القصاصة المُلصقة عليه واستبدلها بأخرى كتبَ عليها : خلف كل إجابة يختبئ سؤال أرعن.
 
 
 
 
 
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

14 تعليق على “مناجاة ظِل”

  1. الحياة سؤال.. كل صباح جديد فيه سؤال جديد..

    كيف سنجيب على كل هذه الأسئلة..

    أن نعيشها…. ربما

    وإلى مزيد من الأسئلة.. مودتي

  2. الوصول إلى إجابة يعني الموت..

    خلف كل إجابة يختبئ سؤال أرعن..

    ليس هنالك تناقض حتى تضطر إلى استبدال الأولى بالأخيرة،لأن الموت آخره بعث..ولأن السؤال الأرعن القابع خلف كل إجابة بحاجة إلى حياة جديدة للإجابة عليه أو بالأحرى إلى بعث جديد..

    أنصحك بأن تعلقهم مجانبة على الجدار،فالصلة بينها بادية ورائعة..

  3. العزيز عامر

    إن كلماتك ثائرة في مهب الريح مستشرية في البعد حتى البلل من مطرة في هجير وهروب المعاني إلى عدة مقاصد تبهر العين ببراعة لم تنتهي ولو بعد إغماضها

    لك مودتي وكل التقدير

  4. لحظة من فضلك..

    ” إليك أعود ”

    عمل فني عربي مشترك يشرف عليه الفنان البحريني خالد الشيخ بمشاركة عربية واسعة من غناء وموسيقى ومسرح وإخراج

    كلمات الشاعر الفلسطيني محمود حامد

    أبرز المشاركين في العمل

    الفنان خالد الشيخ/البحرين

    الفنان لطفي بوشناق/تونس

    الفنانة هالة الصباغ/سورية

    الفنان فهد الكبيسي/قطر

    يشارك في التمثيل كل من

    الفنان فتحي عبدالوهاب/مصر

    الفنانة نادرة عمران/الأردن

    الفنان عبدالرحمن أبو القاسم/سورية

    تأليف وتوزيع موسيقى : طارق الناصر - الأردن

    إخراج: عامر الخفش - الأردن

    ….

    وسيبث اليوم مباشرة من على خشبة مسرح قطر الوطني بالدوحة على قناة الجزيرة المباشرة / وليس الإخبارية /الساعة 30 8 مساء بتوقيت الأردن

    تتلخص فكرة العرض حول موضوع الشتات الفلسطيني وآلامه، عبر شخصية يافا وتاريخها ولحظات الصمود والانكسار والحلم بمستقبل أفضل.

    ويجسد العمل موضوع “الشتات الفلسطيني وآلامه” من خلال عدة عناصر فنية..

    التمثيل المسرحي، الرقص التعبيري، الشعر والموسيقى والغناء، والمادة الفيلمية الأرشيفية…

    http://alrai.com/pages.php?news_id=153965

    http://www.rummusic.com

  5. دعوة للمشاركة ….. هل يحتكر الحق ؟؟؟ ….. شاركونا :

    http://muslimien.maktoobblog.com/?post=310041

  6. أخواني الاعزاء أرجو المرور والتعليق على مقالتي الأخيرة

    من 30 عاما ونحن ننتظر مستقبل مصر المشرق والخروج من عنق الزجاجة وتحقيق الرخاء !!! بقلم الأستاذ : محمد قطب

    مع خالص الشكر والتقدير , بارك الله فيكم

  7. عامر

    حزينا كان ………

    نص اكثر من كونه رائع …..

  8. الوصول الى الاجابة يعني الموت…

    اعتقد ذلك لأنه ما عاد هناك حاجة للبحث…

    شكرا على الزيارة صديقي واعذرني على التقصير

  9. اخي عامر

    ادراجك رائع

    وكلمات جميلة

    اتمنى التواصل

    وزيارة موضوعى (السيجارة ممتعة لا تقلع عن التدخين)

    اذا اعجبك الموضوع اضغط على ايقونة top100

  10. أخي الفاضل عامر

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    ( الحياة كما هي من ثقب الموت)

    تعبير جميل

    ادعوك لزيارة موضوعي وخاطرتي ( شريكة فراشي)

  11. الأستاذ لؤي قال:

    سيدي الأستاذ عامر ملكاوي

    انت فقط تسأل، وأنت فقط تجيب وبين نصوصك والأخرى سؤال مخفي فلتعش لحظات حبك كما هي الآن .

    يا سيدي من يهوى ويعشق فقط يكتب ما كتبت ويبوح بما بحت

    أأًنت عاشق وولهان وهناك الحنين؟

    فلتباركك الأرض والسماء بحبك وحبها فكن لها.

    دمت مبدعاً

  12. الأستاذ لؤي : شكرا على زيارتك ولكن صدقني أن ما أوردته في تعليقك كان بمثابة الإحباط لدي. تأكدت من أنني لم استطع توصيل ما كنت أود توصيله بشكل صحيح.

    أنا لم أكن أتحدث عن فتاة أبدا أنا أتحدث عن ما هو أزلي ويجلب لنا السكينة

    أرجو أن أكون قد كشفت لك مقصدي من هذا النص

    أشكر مرورك

  13. الأستاذ لؤي قال:

    أستاذ عامر لا تصب في الإحباط اني ما اوردته في تعليقي كان بشكل عام وليس على هذة الخاطرة

    أستاذ عامر وما يأكد كلامي يدرج عند خاطرتك العذبة رؤيا

    دمت مبدعاً

  14. الأستاذ الأخ عامر الملكاوي أحيك من جديد.

    أنت ملهمُُ بكتاباتك وتعلو بها للسماء تنجم بين النجوم

    وترقى بها إلا أعالي الجبال وتبهر بها عقول العديد

    ليدك قبضة للقلم من حديد

    أنت ماهر يا سيدي وتستحق أن يقترب لك البعيد

    فوق رائسك غيمة عالية تدوي بصوت الرعيد

    فأنت واثق الخطى, فواثق الخطوى يمشي ملكا, ولله كلنا عبيد.

    أحيك من جديد وأطلب من الله أن يعطيك العمر المديد.

    راكان النجداوي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



المرء إن لم تحبل به الكآبة ويتمخّض به اليأس، وتصفعه المحبّة في مهد الأحلام، تظلّ حياته كصفحة خالية  بيضاء في كتاب الكيان

جبران خليل جبران