أنا عابد لكل ما هو قليل الإخلاص، للمتغيّر، للفنتازيّ

    هيرمان هسّه             


حمار بثلاث دوائر حمراء

كانون الثاني 26th, 2009 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة

 

 

 

 

 

لم تفسد فرحتي بالإجازة تلك الأرقام الثلاثة التي خُطّت حولها دوائر باللون الأحمر على شهادتي المدرسية، معلنة رسوبي في التاريخ والعلوم والرياضيات. جلّ ما كان يشغلني في تلك اللحظة هو مواجهة الأهل بذلك، فقد كنت على علم مؤكد بكل العبارات التي ستقال والشتائم التي ستنهال عليّ،  ككل المرات السابقة.

 

غادرت الصف بينما كان بعض التلاميذ يتبادلون شهاداتهم، محاولين معرفة الأول علينا في الدرجة المدرسية ..!

عند باب المدرسة، كان الجو يشي بأن العطلة ستكون بغاية المتعة، فالبرد الشديد ورذاذ المطر الذي ينزل بخفة، لم يثنِ الأولاد عن التجمهر أمام المدرسة، وقد جمعوا كتبهم، وأشعلوا النار فيها. ألقيت ما في حوزتي من كتب في دائرة النار، وجلست إليهم، حولها، فقد كانت ملاذا ملائما لنا من البرد ومنصة مناسبة لإطلاق التعليقات على من كانوا يترفعون عن مخالطتنا من التلاميذ.

 

لكن ما نعمنا به من دفء لم يدم طويلا،أحد الأساتذة لفتته ألسنة اللهب، القريبة من سور المدرسة، وبعد أن عرف بأمرنا، كانت عصاه خير من يفرق الجمع. اتفقنا على اللقاء عصرا،  وذهب كل منا في شأنه.

 

في الطريق إلى البيت كانت كل الأشياء ساكنة، أشجار السرو والصنوبر المتشابكة على طول الطريق، كانت تبدو وكأنها خُلقت للتو، كان اخضرارها مختلفا عن ذلك الذي يلبسها في الفصول الأخرى، كان اللون أخضر حقيقيا.

 

اقتربت من البيت، فتوارت كل الألوان من مخيلتي، لم أعد أرَ سوى لون أحمر وثلاثة أرقام.

 رأسها الذي أطل من نافذة المطبخ بشكل مضحك، فور وصولي “حوش” بيتنا، سلبني التمهيد والتبرير أو حتى التفكير في ذلك :

- ها، هل هناك أخبار جيدة هذه المرة؟ سألت أمي من فورها.

- كل التلاميذ يبكون، اخرجي وشاهدي بفسك. أجبتها بحزن اعتادت ألا تصدقه.

- وكم من المواد حملت هذه المرة أيها الغبي؟ هذا ما تعلمته من الحمير، القدرة على حمل الفشل، ليس الذنب ذنبك، إنه ذنبي أنا، فكيف لي أن أنتظر خبرا سعيدا من حمار مثلك.

 

تجاهلت شتائمها، وأظهرتُ انشغالي بتثبيت “المزراب” في الجدار،وهذا ما أغاضها ليرتفع صراخها اكثر:

- لماذا لا تجيب، هل أصابك الخرس فوق الغباء.

 

بملل لم استطع كبح جماحه في داخلي، أجبتها على الفور:

 

- منذ متى كانت الحمير تتكلم ؟؟

 

بعدها لم أسمع صوتها أبدا، كل ما كنت أسمعه، صوت ارتطام قدمي العَجِلتين بالأرض، وحفيف أجسام تتطاير عن يميني وعن شمالي، دون أن أتمكن من تحديد هويتها.

 

منعها من مواصلة التصويب لهاثها الشديد، فاستنجدتْ بصوتها الحاد مواصلة صراخها:

- أنت أجبن من أن تبيت في الحارات … سأكون بانتظارك يا ملعون…!

 

انتهت المواجهة، لكن الثمن كان باهظا، هناك خمس ساعات من الفراغ،  تفصلني عن العصر، لملاقاة الأولاد. خمس ساعات من البرد والضجر، فكرت في أن استبدلتها بأخرى من الدفء وكثير من العناية. فما إن اقتحمت عليهم قيلولة الظهيرة، حتى قابلتني الجدة بالترحيب، فيما حاول جدي تمييز الزائر.

 

عَلَت ضحكات جدي فور سماعه صوتي، وبدأ يردد وقد بدا عليه الإنفراج :

- ها قد جاء شيطاننا الصغير، اقترب مني يا بني.

رفع عنه اللحاف، ودعاني كي أتمدّد إلى جانبه. أمسك بيديّ، وبدأ يحكهما ضاحكا:

- ألا يمنعك البرد من اللعب في الحارات أيها الشيطان الحبيب. ملمس يديك كملمس الأفعى، لقد أنبت البرد في يديك حراشف بدلا من الجلد. قالها بحنو، وختم بضحكة هادئة.

- فلتدع الصبي وشأنه، قالت جدتي وهي تحمل كيس البطاطا، سألت إن كنتُ سأكتفي بحبة واحدة تنضج على مهلها في منقل الحطب، بينما نتجاذب أطراف الحديث.

 

سرني أنهما لم يأتيا على ذكر المدرسة والنتيجة، ولتلافي ذلك، طلبت من جدي أن يروي لي قصته مع اليهودي، التي قصها علي مرات عديدة من قبل. بدوره لم يتوان عن ذلك، فشرع يسردها بكل تفاصيلها التي كنت أحفظها جيدا من كثر تردادها.

 

- منذ خلقت وأنا أراك تجلس أمام النافذة يا جدي، لماذا اخترت هذا الموقع بالتحديد.

جاء سؤالي مرافقا للمشهد الذي يسترسل فيه جدي

المزيد


مجرد حشرة

تشرين الثاني 9th, 2008 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة

 

إلى جبران خليل جبران

 

“أنا أريد، إذن أنا لست بريئا”

طزيز ، ذو لون لامع، هو كل ما كان يُلهب فيهما الرغبة في تلك اللحظة.

نربطه بخيط طويل، نصغي لأزيزه المرتفع،ونمتّع أعيننا ببريق لونه عندما تنعكس عن جناحيه أشعة الشمس. قال الصغير.كانا يمشيان ببطء شديد ، وقد التفت ذراعه حول عنقها بحنو وبراءة.

-         لكن، كيف يمكننا أن نحصل عليه، أنت تعلم أن ذلك المخبول لا يسمح لأحد بالاقتراب من أزهار الدحنون، إنه لا يفارقها أبدا، ويقول بأنه لن يسمح للأولاد أن يعبثوا بها، فيفسدون جمالها. ردت بصوت خفيض يحمل الأمل بإيجاد حل ما.

تابع الطفلان سيرهما بصمت، قطعته دندنة رقيقة تنبعث من مدخل أحد البيوت. كانت فتاة جميلة ، تبدو سعيدة جدا، فحركات المكنسة كانت منسجمة تماما مع لحن أغنيتها، ونسيم آذار المسائي يُراقص خصلات شعرها ، بينما كانت عيناها تسترقان النظر إلى الحارة، علها تتعثر بأحد الشباب، تقاسمه فرح قلبها.

-         وجدت الحل ، اتبعيني – قال الصغير – فأسرعا الخطى.

 

*****

ناحل الجسم ، أغبر، خجول، يتحاشاه أهل القرية لبشاعة مظهره، يمضي يومه في عزلة تامة، يتأمل أزهار الدحنون، ويحرسها، وقد أعلن مسبقا ملكيته لها. يناديه الجميع بالعاشق المخبول، فهو يدّعي أنها تحبه، وتبتسم له كلما صادفها، لكنه يخجل من محادثتها.

كان منغمسا بتقطيع الحطب، عندما اقتحم الصغيران خصوصية عالمه الغريب.

-         إلى متى ستبقى ساذجا ،عاجزا، أيها الشاب الجميل؟ الجميع يعرفون أنها مغرمة بك، أنت نفسك تعرف ذلك جيدا، هيا اذهب بسرعة، إنها تنتظرك، هي أخبرتنا بذلك، إنها فرصتك، الحارة خالية من المارة، وما يلزمك هو قليل من الجرأة فقط. قال الصغير ، وقد اسرّ وجهه الباسم إلى رفيقته، بأن ما يرغبون به قد أوشك على التحقق.

تجمدت حركته، وساد الجو صمت رهيب، رمى ما بيده واستدار إليهما:

-         أحقا تريد مقابلتي، ولكن … ثم تحسس الثقوب في خلفية بنطاله، وألقى نظرة متفحصة على حذائه المهترء.

-         كل ذلك لا يهم – قال الصغير – إنها فرصتك الوحيدة ، هيا اذهب.

للحظة، وقف مشدوها، التفت إلى الخلف، حيث أزهار الدحنون، ثم انطلق راكضا.

اقتنص الصغيران نجاح الخطة، على عجل بدءا بقطف أزهار الدحنون، ليتفحصاها فيما بعد في مكان آمن. في ” الخرابة” ، على مقربة من مكان الخديعة، فتحا أزهار الدحنون، الواحدة تلو الأخرى، لكن دون جدوى، لم يكن هناك أي طزيز.

بغضب، حاول الصبي أن يرمي بالأزهار أرضا، لكن صديقته أومأت إليه بأن لا يفعل : إن وجدها سيكشف أمرنا، لازلنا بحاجته، فلنأخذها معنا، هيا نذهب.

 

*****

طويل القامة ، مملوء الجسم، مفتول العضلات، معروف بعدوانيته، ومزاجه الصعب. اختلف للتو مع أحد الفلاحين الذي لم يعطه ما اتفقا عليه من أجر لقاء تحميله لأكياس القمح. قرر العودة إلى البيت ، منزعجا، يشعر بالندم، لأنه لم يأخذ حقه من ذلك الفلاح: كان عليّ أن ألكمه لكمة قوية على الأقل، حدث نفسه بصوت مرتفع.

الفتاة مازالت تكنس مدخل المنزل، بينما يسير المخبول عَجِلا نحوها بكل جرأة، وقد ملأ جمالها عينيه، فلم يبصر شيئا دون ابتسامتها له. فجأة ودون أن يعي ما حصل، وجد نفسه أمام وجه يملؤه الغضب. نظر في عينيه ، تملكه الرعب. عرف لاحقا أن كتفه اصطدم بقوة بصدر الشاب القوي، الذي أشغله التفكير بحقه المسلوب طوال الطريق.

هنيهة، وبدأ الضرب ينهال على جسده النحيل من كل صوب.

-         ألا يكفيك ما أنت عليه من الجنون أيها السافل العفن، أين ذهب بصرك أيها التافه،قال الشاب بصوت مجلجل، وما زال يركله بقدميه حتى أسقطه أرضا.

-         توقف أرجوك، بادرت الصبية من فورها، إنه شخص مسكين، اتركه أتوسل إليك. ثم أسرعت إليه بكأس من الماء، وبصوت أنثوي حنون، أخذت تهدّأ من ثورته ،بعبارات حميمية، أثلجت صدره، واسكنت جموح غضبه. شكرها، فردت بابتسامة باحت له بما يضنّ قلبها من عاطفة جياشة ، لم تزل حبيسة منذ زمن طويل.

-        

المزيد


طريد الموت الجميل

كانون الثاني 3rd, 2008 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة

 نشرت هذه القصة في جريدة القدس العربي اللندنية في العدد 5795 الثلاثاء 22 كانون الثاني 2008

 

 أنا من قوم إذا عشقوا ماتوا "   امرؤ القيس " 

لكأنها تنبت في أعماقي منذ الأزل … دون شكل كانت ترسم ملامحكِ على حائط قلبي ، ولطالما شعرت بحاجتي إلى البكاء كلّما فشلت في العثور على ظلّها واقعا أمام شهوة انتظاري.

عندما التقيتكِ  أوّل مرّة كانت تلبسكِ بصدق، وبصدق كنتِ تتقمصين لونها … ذلك اللون الذي مازال يرافق اسمكِ كلّما تأمّلته. الآن أشعر بالاكتمال ، ولا يدهشني وجودها أمامنا ، هنا ، تتكئ بكل هيبة وبهاء على تراب هذا القبر. فعندما أشتاقكِ أغمض عينيّ حتى وإن كنتِ معي … كما الآن .

 

-         فلتفصح عن عينيك ، ولتنعم بما تضفيه هذه الوردة على القلوب من هدوء وسكينة  فهي حريّة بأن نهبها ما نملك من حب . عندما رأيتها ابتسمت لي ، فابتسم قلبي لها، وأحببتكَ أكثر . شعرت بالحنين إلى شيء لا أعرفه ، لكنني أعرف أنه مستحيل.

ألم ترَ أن في اختيارها لهذا القبر موطناً يفسّر ما هي عليه من الجمال الذي يطغى على جمال كلّ الزهور التي تحيطنا؟ وشكلها الغريب الرّقيق ، الذي لم أرَ له شبيها أبداً يحمل إشارة ما ، وسرا يستدعي التخمين والاحتمال . أكاد أجزم أن من يسكن جوف هذا القبر إنما هو شاعر مات من حب وهيام قبل أوان القصيدة ، وهذه الجميلة إنما تقتات ما يملأ قلبه من ماء العشق ورغبة الخلود. أظنه مات منتحراً.

 

-         أما ناأنا أنا فلا تستدرجني مقاصد الأشياء ، وكل ما يهمني هو فعلها في روحي الجامحة  التي لجمها الحنين فجاعت حبا ، إن هذه الوردة هي كل شيء ، كما أن هذا القبر المسجّى في حضرة الموت هو تماما كوجهك المسكون بالمعنى ، يختزل عفّة اللحظة و جمال الكون في كل رعشة يلدها قلبي المصاب .

حديثهما نفض من عينيّ غبار الكآبة ، أنا القابع خلفهما دون أن  يشعرا بخطواتي التائهة ، التهمني بوح العطر الذّائب في الأثير وأسكتت رائحة الكلمات صوت نشيجي الرّتيب . وهل يملك تَعِب مثلي من الجرأة شيئا أمام ذلك المشهد الضارب في السكينة ؟.

كانت الشمس الذاهبة  إلى غروب تنهب ذاكرة النهار ، فيما يرقد شَعر الصّبيّة بسلام فوق كتف حبيبها الذي آواه الشرود إغواء تلك الوردة التي اعتلت قبر صديقي ، فيما غرق الجميع في بحر من زهر وعشب.

سريعا تبدد كل شيء كأنه لم يكن . وعادت نوافذ الذاكرة تنفت

المزيد


مقتطف من قصة قادمة

تشرين الثاني 2nd, 2007 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة

وأيقنت أنه لن تنطلي عليّ خدعة الأشياء، وبأنني سأبقى دوما بعيدا عن الجمال ، كي أحفظ سرّه، وأنعم بسحره، وأنني سوف أتمنى دوما أن أكون ذلك الكائن الخيالي، المثالي، الذي يسعى إلى الخلاص من إنسانيته، ليعيش في انتظار دائم لما هو أرقى من ال

المزيد


رؤيا

أيار 19th, 2007 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة

 

نهض من الأبدية … أطلّ من شرفة الجواب وقال:

لا أريد أن يكون ما تريد

أنا الأزليّ

 

آخر، نهض من الفراغ … أطلّ من شرفة النهاية وقال:

لا أريد أن يكون ما تريد

أنا المحكوم بالأزليّ

 

*****

 

جاسته كينونة البعيد، فانسلّ من عمق الضباب حانقا، منزوعا من الشّكل، وباح بسرّه المجروح : أنا كل شيء، القريب من البعيد، القريب من القريب. أنا رجع الأزليّ في هاوية الفناء.

 

ثمّ أجهش في البكاء …

 

*****

 

كشيء على قارعة الوقت بدّدت عمري أنتظر أحجية السراب. لاشيء يمكنني أن أقول في هذه اللحظة المنعتقة من كل شيء سوى أنني كائن منهوك، حلم في البعيد، أو فكرة لن تولد أبداً. لم اعد أعي سوى وجعي مذ وجدتني منسيّا كجرح في بياض الملح. الآن وقد اكتمل النقصان وأغلّت السنون وحانت ساعة الحصاد، تنبّهوا قبل أن أشرع في الحديث … هناك من الزّوان ما يضارع الغِلال:

أيها المسافرون، أنتم مأخوذون بالظِّلال. تعبرون الدرب منتعلين الضياع. إن الحقيقة قابعة فيكم، وما البعيد سوى صوت القريب يملئ  قيعان أعماقكم.

 

*****

 

كانت الرؤيا فغاب المعنى عن وعي الحلم، وأمسى الخيال الحقيقة والمستحيل ذاكرة المباح …

 

كنت عبداً غير مرّة …

أختبئ خلف لوني القاتم، أعلنَ الحداد على عمري المقتول منذ حرّرني من العدم الشقاء رغما عنّي، فولجت العالم على طريقته، لا خيار لي في ما سيكون. وها أنا الآن أمتهن حمل الأحلام على ظهر قدري الأعور، أحمال قمح أعرفها حبّة حبّة، ألوكها خبزاً، لن يشبعني ولا أشتمّ فيه رائحة الغد المضبّب.

 

ما أنتَ إلّا ندبة في جسد هذا الكون الغامض الممتدّ حولك، ولن يسوّغ لك وجودك أكثر من أن تستشعره. لا تطلق لخيالك العنان في استدعاء الممكن فترشح من ثقوب حقيقتكَ القديمة رفاة حلم. هذا ما حدّثت به نفسي ذات رؤيا، بينما كنت أسترق دقائق غياب سيّدي الذي أودعني مهمّة نقل أكياس القمح إلى المخزن قبل مبيت الشّمس، أفترش الأرض منهكاَ قبالة بيته الجميل، المبنيّ بدقّة ورويّة، أتأمّل سكون المكان حوله، أراقب ظِلال السّكينة تحيط الأطفال وهم غارقون في هناء اللّعب. خطفني ذلك المشهد من عذوبة اللحظة ليحطّ بي على أديم ذاكرتي المتكدّرة : لماذا لا يسمح لي أولاد القرية أن ألعب معهم يا أمّي؟ ولماذا يسخرون من شكلي دوماً؟ أحقّاً أنني كما يقولون أشبه القرد؟ لماذا خلقني الله هكذا؟ لماذا لم يخلقني مثلهم؟ لا أريد أن يكون لوني أسود، وأنفي الكبير هذا أكرهه كما أكره أذنايَ الطويلتان. يجب أن نرحل من هذه القرية ونسكن أخرى أناسها مثلنا.

 

لم تحزنني تلك الأمنيات الصغيرة حين تذكّرتها. ما أدمى قلبي هو أنها لا تكبر ولا يزيدها الزّمن سوى ذبولا. حاولت قطع التفكير في ما ليس لي فيه أدنى اختيار. استعدت وعيي السّاهي من آلام الماضي، فجأة، عندما اغتالت صورة ذلك الجسد العاري المنعكسة إليّ عن المرآة عبر أحد النوافذ، حبات الدّمع التي كادت أن تنفرط من عينيّ الملتهبتين، لتلتهب أحشائي المفطومة منذ شهوة من الحرمان.

 

لطالما كرهت المرايا، هي تذكرني بالمستحيل، لكنها اليوم تملأني برغبة الممكن،  فصورة ذلك الجسد الجامح التي اندسّت في أدراج ذاكرتي لا يمكن مقارنتها مع وجهي المسكون بالغيلان، كما أنه بدا لي قربان صخب ما قد يعتري رتابة أيامي المتشابهة.

 

كانت النافذة مرتفعة ولست أرضى بأنصاف الخطايا. تلفتّ يمنة ويسره ولم أنظر إلى الخلف - هناك لن أر غير أشباحي المحتضرة. تسلقت شجرة التوت في حين كانت تتكئ على الشرفة تناظر قبلة الغروب على ذلك الجسد المتأهّب. تسلّقت الفروع الواحد إثر الآخر حتى تمكّن بصري من الاستقرار على مساحة الجسد كلّها. خطأ في التقدير منعني من الاستمرار. سهام عينيّ المحدّقتين بذلك الجسد الممتلئ فقأت العين المبصرة لقدري الأعور، فأصبح كفيفا. ما أيقنته جيدا حالما سقطت من أعلى الشهوة فضيحة تتلوّى على مسرح الجريمة على مرأىً من خيباتي الوفيرة.

 

 سقطت من أعلى الشجرة بعدما أخطأت قدمي موطئها على الغصن فهوت على الفراغ، لأعرف لاحقا أنني أمسيت وفي لحظة، عبدا مشلولا انتقل من قبضة سيّده إلى سطوة اختيار كان لي شرف استدعائه حين أذعنت لأوّل مرّة في حياتي لإملاء نفسي المتورّطة في الخنوع.

 

كنت سعيدا رغم ما حلّ بي من العجز، لأنني استطعت أخيرا أن أقول لنفسي : هذا خطأك لا قدرك. بدوت واجما لا طاقة لي على الإجابة وكأن على لساني الطير، حين طفا على أفكاري المتلاطمة ذاك السؤال المربك : وهل هناك ما يدعو إلى السرور ما دامت النتيجة واحدة؟ لازلتَ حبيس جسدك المشلول تقتات الصبر كي تعيش لعبوديّتك. أي مسكين أنت أيها الكسير؟

 

لماذا لم تواطئني الأسئلة الصعبة في الماضي؟

 

لحظتئذٍ، تركني ذلك السؤال اللئيم وأفكاري المتناقضة التي أخذت تتناهشني من كلّ صوب : إذن أين العدل؟ وكيف له أن يكون ما دمتُ محروما من تحقق أدنى الأمنيات التي تندرج تحت باب الضروريّ لدى فرد غيري يكتنفه هذا الكون؟ ولماذا أتحمّل عبئ قدر لم أكن صاحب الخيار فيه؟. رغم كلّ تلك الأسئلة التي أطرقت تمزّقني وتقلق هدأتي كنت متأكّدا من أنّ هناك عدل ما، وليس لي سوى التفكّر والتّأمل في شأن هذا الكون المجهول ذو الوجود العتيق السّائر منذ البداية بقوانينه الحذر

المزيد


مناجاة ظِل

أيار 1st, 2007 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة

                 
حزينا كان ….
وحيدا مع أغنية لعوب ، تعبث بنهود إجابة تهتز في صدرها لفرط غواية أسئلته: ( أنا عندي حنين ما بعرف لمين). من وراء غربته يحدق بقصاصة ملصقة على الجدار، كان قد كتب عليها يوما : الوصول إلى إجابة يعني الموت. بينما يُلقي برجليه المرتخيتين على طاولة المكتب مودِعاً كرسيّ قلقه الهزاز جثته الواهنة. يُشعل لفافة وينفض دخان الكآبة يتجمع في عينيه. لأنه سئم الحياة راحت نواظره تبحث في شعث الكتب عن كتاب ابتاعه ولم يقرأه، كانت قد أسرته بلاغة عنوانه ( الحياة كما هي من ثقب الموت)، علّه يفضي إليه بإجابة ما. أشعل لفافة ما بعد الخمسين وقرأ :
 
في مغارة تدعى تافوغالت استيقظ من رقدة  بدأت قبل عشرين ألف سنة من المسيح وقد ملأت صدره دقائق المكان وأحاطت عنقه حلقات الزمان. فََزِعاً نهض كأنه تنبه لفجيعة ما، خرج من ظلمته مسرعاً لتجتاحه ظلمة أخرى بعدما شاهد أن الشمس انكسفت حييّة من سوءة الأرض، ما أضفى على قلبه الارتياح، حيث لن يكون هناك ما يستدعي ستر سوءته طالما تنقبت عين السماء بغبار خطيئة العصور، لكن، رغم تلك الفسحة من الحرية التي انتزعها جسده المفضوح من قبضة الظلام، كان قلبه يُسرّ فيضاً من قلق أخرس يهصر انصاب الصمت النامية على أديم أعماقه البعيدة … هي لم تعد موجودة في أي مكان، لقد أضاعها حال وعيه. ولهول ما تبدّى له من شؤم دقائق يقظته الأولى، طفق أيراسمار يبحث عنها كالمخبول. يتذكر أنها كانت دوماً في متناول عينيه تستجيب لهمس قلبه وتترنم بأغنيات روحه الحائمة فوق هالتها الساكنة أينما حلّت. كانت وجه السعادة المنقوش في وجوه الأشياء. تاهت عنه أم تاه عنها، لا يعلم، لكن الحقيقة الوحيدة التي باتت أكيدة هي أن ابتسامتها المهيبة ما عادت تعتلي الذرى ولم يعد لعبير الورد دونها نشوة الذوبان في فراغ الأثير الرمادي. حتى الحجارة في عينيه بعدها أمست لا تتوفّر على غير وجودها، لكنه لم يذعن لنداء كآبته، ما جعله يرى إليها بلواحظ الأمل المستترة بعينيه في السماء، إلا أنه لم ينظر سوى سحابة على سفر، تلاشت في شحوبها رغبة البكاء، ما حاول أن يفسره أو يبرره عندما تساءل: هل صارت إلى ذلك بسبب الحزن أم من أجله؟
 
بدا له الحزن في كل شيئ. إلا أن قطرة الأمل المستقرة في جوفه مكنته من الوصول إلى الشاطئ كآخر مطاف – لأنه موئل الغرباء – دون أن يشعر بجفاف حلمه. ابتلع

المزيد


مصاب بالحنين

آذار 25th, 2007 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة

 

غريبا في  ليلة عرس شقيقي، جلست إلى كرسي وضع بدقة متناهية على حافة الطريق، تجانبني من اليمين أحلام مستغانمي ،ذاكرة بلا جسد ومن اليسار كآبة جبران خليل جبران، بينما يُفتح باب الحيرة أمامي على مصراعيه فأعبره عَجِلاً إلى متعة الشك بكل شيء : بالحزن والفرح، والحب والرغبة، بالمطلق والروح والجسد، الشك بكل ما هو بديهي واعتيادي، فقد طالما انتظرت أن تتبدد مخاوفي المتمردة وآن أن أذيع ما ضننت من كفر.

 

عالم من المتناقضات يلبس ثوب الفرح في عرس ملحمي. فعبر نافذة الشك يبدو كل شيء سواه  : والدي يرقب مبتهجا قفزات المسرورين بنسقها الرّتيب، يترنح تيها على إيقاعات الطبول وقد انعتقت روحه من خلف تجاعيد الكهولة وأنغام الناي تملأه لهفة لخيالات الشباب. فيما حانت لي حلقة الدّبكة  وقتئذ كأنها خيط دود مرتعش يدور حول جيفة من الأحلام نهشتها مخالب الحياة. ألفيت الصبية يركلون الأرض بأقدام الخيبة وسمعتهم يشتمونها عبر لهاثهم المتصاعد، ولم أجرؤ قط على سؤالهم  عن السبب، لكني تذكرت أن الإنسان يرقص فقط عندما يكون عاجزاً، ولا أظنهم كانوا يرقصون تعبيرا عن عجزهم عن البوح بفرحهم.

 

على مسافة أغنية مني، صبية تستند إلى عاطفة خرساء، مملوءة القلب حنيناً وشت به أحداقها المسافرة إلى عالم يلبس أسرارها العميقة … عالم من الاستفهام … شاب في مقتبل العشق، يحلّق كالنسر فاردا جناحيه وقد لوحته شموس الحب القديمة -  المحتجبة بنقاب الشرف والعرف والعيب والدين -  يمارس طقوس الإغواء عن بعد. وكخلفية موسيقيّة فريدة أثرى المشهد ازدحام الفضاء بحشود من الزغاريد التي انفلتت من الألسنة المعقودة لتبوح للأثير بزمن غابر طويل من الصمت.

 

عكس الناس، ولأنني مصاب بعذوبته، باغتني الحزن على حين فرحة سكينا بأبهى حلله، تساءلت : هل يجذبني إليه هدوءه الساحر، أم أن روحي الظامئة أبدا تتلذذ حلاوة رشفه؟ حملني ذلك الشقي على بساط الذاكرة من غربتي المقيمة هنا في قريتي إلى غربة أشهى … إلى بغداد، عندما كان يطوقني الذنب كلما أحسست بشيء من الفرح، حتى أجدني ممسكا سماعة الهاتف سائلا أمي وأبي وإخوتي إن كانوا مسرورين مثلي كي أبرر لنفسي فرحها، أو لربما كانت أصواتهم المجروحة تسرقني من فرح لم أعتده عمري.

 

لكأنه كان يحضرني لصفعة حب

المزيد


ليليت

آذار 11th, 2007 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة

  

 

بعد ألف سنة من الحلم، غفت الطبيعة واكتنفت الظلمة أرجاء الأرضين، وسطع نور من زاوية حوران في مدينة الأقحوان (أرابيلا) فتجسم كائنا ملائكي بهيئة إله اسطوري مجنّح يدعى ديوميسوس, خفق بجناحيه ذارعا أعماق الفضاء ، ناشداً عشتار المجرة (كوكب الزهرة).

 

حط الإله على أديم السكينة التي توشح كوكب الحياة، وجثا على شغاف قلبه راكعا في حضرة إلهة الكبرياء والأنوثة ( ليليت) – وردة جورية بلون اللجين، تعتلي غصنا منفرداً تزركشه الأشواك حليّاً.

 

 

رفع ديوميسوس بصره نحو إلهته، وبنظرة استعطاء قرأتها في عينيه، طلبها قائلاً : هل لي أن أقطفكِ يا مليكتي وأستزرعك أرضي القفر ، فنستعيد بنوري وجمالك مجد المحبة في بلاد الموت القاتم … هناك، حيث كنا ظلالنا ؟ فأجابته الوردة الحكيمة : قد آن ما انتظرت، فاصغِ لما سأقول : إن أذعنت لرغائب نفسك فقطفت عمري متٌّ وأدميتك. يا حبيبي : إن الوردة التي تزرعها الحرية وتسقيها دموع الغياب لن تذيع العبير إن أمست

المزيد


روح ظامئة

آذار 7th, 2007 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة

 

ذات آذار مثقل بأنفاس الرّبيع، كان هناك بنفسجه  بيضاء حزينة - ملّت قيد التراب بعد أن لفظتها عناصر التراب أغنية حب تراقص شغاف الأثير- حانية كأسها، تجوب بعينيها أرجاء المكان، حتى  ارتطم بصرها بأسوار الحديقة، فشخصت نحو السماء مناجية سريرة الخفاء : امنحيني جسد حمامة يلبس روحي السامية إلى العلاء، دعيني أستنشق سكينة الفراغ.

 

حلّقت الحمامة البيضاء عاليا إلى عمق السماء تا

المزيد


إلهة الغياب

شباط 12th, 2007 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة, قصة مهشمة

كمحارب نهشته مخالب الدّهر، ردني الغياب إلى تلك الحانية القديمة، تلك التي لطالما أشعلت بنان الرّوح ملامسها، وأيقضت أنواء الفؤآد مفاتنها، تلك التي إن ماس خصرها، اهتزت لحفيفها جوانح النّفس وحلّقت كأنثى النسر في عمق السماء. إنها قريتي …. وهل يسلى الطّير الرّحول دفء عشّ تلبسه الأحلام؟

 

كهارب من قبضة الزّمن وصِغر المادّة ، لملمت عناصري، وأوقفت عقارب ساعتي وأعلنت الخلود مدّة عناق مع الطبيعة علّي أستزيد معرفة من صفحاتها. اعتليت أشهق رابية تنتصب في جسدها كنهد صبيّة تشدّه أحابيل الشّباب إلى فضاء الأمنيات، فأردفت مسامع القلب تذعن لأنفاس السّكينة تنبعث من  أعماق أودية تغفوا على ترانيم العصافير وأحاديث السّواقي وأغنيات زهور حبلى بالعبير تدغدغها نسيمات المساء الدّافئة كأمّ حنون تنفث الحبّ في وجه صغيرها.

 

ما إن مالت الشّمس إلى المغيب فأطرقت تلوّح بشالها معلنة حلول ساعة الوداع، راسمة بخيوطها الذّهبيّة قبلة ملئ شفاه الكون على جبين المكان. رحلت الشّمس إلى رجوع، تاركة ورائها فضاءً شاسعا يعج بأرواح موجودات في عناق أبدي كعناق فروع احتبكت في غاب خلود. في جهالة هو الإنسان حين يضنّ أن لا روح تسكن موجوداً سواه، كلّ مخلوق تكتنفه هذه الخليقة تستنبته فكرة تقبع بذورها في قداسة الماوراء، وما الموجودات إلا معان سامية تلفها المادّة، كالجمال تلبسه زنبقة، نظيرها طفلة يرتديها  النّقاء. الموجودات تستدعي الحياة، فقامت الرّوح الجامعة وبثّت فيها شيئا منها فأمست كيانات حيّة سابحة.

 

أنا من يقول بروح الوجود، فلطالما ملأت إناء معرفتي إيماءات الأشياء، وحاكت دواخلي مكامن الكون، من زهرة حزينة ذابلة سالت على بتلاتها دموع فجر شجيّ، وغيمة أوحى لي بكائها بحزن السّماء، وساقية أدمى مسامعي لحن خريرها الأنين، وحجارة تلوّحها غمائم النّحيب تنفض غبار الغياب عن سطوحها باكية لوعة المجد في حاضرة النّسيان، وأخرى تإنّ آسية ً فراق عاشقين افترشا بساط الحبّ تحت ظلالها.

 

أويعتري الحزن غير مخلوقات أتخمتها عواطف الرّوح؟

 

في أوصال أخرى من حبل الوقت، قد تعود بك مشيئة الرّوح الجامعة غمرة حزنك تجوب صفحات الطّبيعة فتقع لواحظك على ما سبق وأن عانق لفائف أعماقك، فتومئ  لك تلك الزّهرة بكأس طفح بخمرة الحياة، تبتسم حوله بتلات ساحرة تتفتّح كأعمدة نور ينبعث من قلب نجم أبرق، وتُدخٍل الدّفء إلى قلبك سماء زرقاء ساكنة تزيّن صدرها كوكبة ذهبيّة تتدلّى منها خيوط الأمل، فتستسحبك إلى فضاء االسعادة والسّكينة، وتستيقض من صحوك فجأة ويعتريك العطش بعد أن تذكّرك النسيان في أحضان السلم والرّخاء فتفيض عن مسامعك عذوبة لحن مخمّر بريق ساقية تهزج  فرحا وانتشاءً،  وبعد أن تروي ظمئ  قلبك وأحشائك، يستدعيك النّعاس إلى غفوة تنصهر في أثنائها عناصرك في  بوتقة الرّوح، فيسقط بصرك على ذات المكان الذي مزّق نحيبه شغاف قلبك، وإذا بتلك الحجارة البائسة تلثغ بأناشيد الشموخ وقد اشتدّ كيانها وانتصبت كأشباح آلهة بعد أن استحالت صرحاً يؤرّخ لمجد حضارات سلفت، وأخرى تجانبها وقد توشّحت بنقاب الشّوق وبسطت روحها كقبضة حب تغمر عاشقين اقتعدا ظلّها مغبوطين متع

المزيد


التالي



المرء إن لم تحبل به الكآبة ويتمخّض به اليأس، وتصفعه المحبّة في مهد الأحلام، تظلّ حياته كصفحة خالية  بيضاء في كتاب الكيان

جبران خليل جبران