أنا الذي طفق يلهث باحثاً عن بصيص حريّة قد تنبجس من خلف قضبان الغياب، لازلت أجتر بقايا صوته الذّائب في أنفاس الوقت، غادرني وقد تطامن أنين حزنه حدّ التّلاشي.
وصمت المكان المحموم، تركني طريد روح، شريد، أتحسس شفاه الموت فوق رَمسِه المضرج بدماء ذاكرته العجلى، علّها ترسم في ثغري قبلة الحياة.
(( الموت فلسفة قَتُوم، تأخذ شكل ترف وجودي، يختصر الحياة في مشهد تراجيدي ساخر يقدّم لمرحلة الإنتقال إلى فنتازيا الحقيقة المطلقة)) ، صرخ صوت ملأ أعماقي.
على مرمى قبر من جثّته الثّاوية تحت صقيع التّراب، على أنقاض دقائق تستبق ذاكرة النهار،صحبة الحنين يملأ ما في جعبتي من كتب ابن عربي وجبران خليل جبران اقتعدت صخرة شاحبة تعتلي مداد الأرض، تعكس حمرتها نزيف الشّمس الزّاحفة إلى المغيب في أفق كامد .
(( عادي أن يتّخذ هارب مثلي هذه الصّخرة عرزالا، كمآلً))
في حضرة عشتار المساء(الزّهرة)، عند أقدام الكون، جلست إلى جسده الغائب، أتأمل جمال اللحظة، في مشهد صوفيّ صاخب، وقد بدأت جدائل اللّيل تتلون برماد السّنين، تنزلق على كتفَيّ بوقار عاشقة حنون، ما إن استسلمت لها الرّوح حتى تبدّت لي السماء آلهة إغريقيّة تلبس ثوباً من السّواد، مرصّع بنثار ماسات لألاءة، يعكس وميضها ألق الخلود، تطوّق عنقها لؤلؤة قمريّة باذخة البريق، تمرّدت على فتنة بهائها اللّاهب.
أمام هذه اللوحة السوريالية الدّاكنة، أخذت خيوط الشوق تعيد حياكة هيبته الغافية في أزقّة النسيان، أملاً بعودة ثريّة تمنحني حق الإحتفال بحضوره المفعم به، فيقاسمني نشوة الذوبان في هذا الترف الكوني الأخّاذ الّذي يلثغ بتراتيل البقاء.
غمرة الإندماج بروحه اللّائبة، خالجني إحساس يقينيّ مبهم بحقيقة وجوده الماديّ، فأطرقت نواظري تتناثر في أرجاء المكان علّها تتعثّر بما يشي برجوعه. بين وثبتين، انداح بصري في المدى كشعاع قدريّ موجّه بقوّة خافية، وإذا بي ألمح طيف أسمالٍ ترتدي جسدأً مضيئاّ اختلطت معالمة حتى بدى ملاكا أرهقه التّرحال. أخذت الصّورة تقترب منّي خطوة إثر خطوة والمشهد واحد: أسمالٌ رثّة و(لاجسد) بضوءٍ خجول، كان شيئاً يبعث على الإختناق والإنعتاق في الوقت نفسه.
(( في الماوراء تصبح المسافة زمناً متجمّداً))
فذلك الملاك النّحيل بدى أمامي كما بدى لي في الأفق البعيد.
(( أيتجمّد البصر في الماوراء أيضاً، أم تنعدم الحواس عندما نفيض عن إدراكها؟))
أخرس الجوارح، متخم الحواس، مكت














