أنا عابد لكل ما هو قليل الإخلاص، للمتغيّر، للفنتازيّ

    هيرمان هسّه             


أيننا أموات

تشرين الثاني 23rd, 2006 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة

 

أنا الذي طفق يلهث باحثاً عن بصيص حريّة قد تنبجس من خلف قضبان الغياب، لازلت أجتر بقايا صوته الذّائب في أنفاس الوقت، غادرني وقد تطامن أنين حزنه حدّ التّلاشي.

 

وصمت المكان المحموم، تركني طريد روح، شريد، أتحسس شفاه الموت فوق رَمسِه المضرج بدماء ذاكرته العجلى، علّها ترسم في ثغري قبلة الحياة.

 

(( الموت فلسفة قَتُوم، تأخذ شكل ترف وجودي، يختصر الحياة في مشهد تراجيدي ساخر يقدّم لمرحلة الإنتقال إلى فنتازيا الحقيقة المطلقة)) ، صرخ صوت ملأ أعماقي.

 

على مرمى قبر من جثّته الثّاوية تحت صقيع التّراب، على أنقاض دقائق تستبق ذاكرة النهار،صحبة الحنين يملأ ما في جعبتي من كتب ابن عربي وجبران خليل جبران اقتعدت صخرة شاحبة تعتلي مداد الأرض، تعكس حمرتها نزيف الشّمس الزّاحفة إلى المغيب في أفق كامد .

 

(( عادي أن يتّخذ هارب مثلي هذه الصّخرة عرزالا، كمآلً))

 

في حضرة عشتار المساء(الزّهرة)، عند أقدام الكون، جلست إلى جسده الغائب، أتأمل جمال اللحظة، في مشهد صوفيّ صاخب، وقد بدأت جدائل اللّيل تتلون برماد السّنين، تنزلق على كتفَيّ بوقار عاشقة حنون، ما إن استسلمت لها الرّوح حتى تبدّت لي السماء آلهة إغريقيّة تلبس ثوباً من السّواد، مرصّع بنثار ماسات لألاءة، يعكس وميضها ألق الخلود، تطوّق عنقها لؤلؤة قمريّة باذخة البريق، تمرّدت على فتنة بهائها اللّاهب.

 

أمام هذه اللوحة السوريالية الدّاكنة، أخذت خيوط الشوق تعيد حياكة هيبته الغافية في أزقّة النسيان، أملاً بعودة ثريّة تمنحني حق الإحتفال بحضوره المفعم به، فيقاسمني نشوة الذوبان في هذا الترف الكوني الأخّاذ الّذي يلثغ بتراتيل البقاء.

 

غمرة الإندماج بروحه اللّائبة، خالجني إحساس يقينيّ مبهم بحقيقة وجوده الماديّ، فأطرقت نواظري تتناثر في أرجاء المكان علّها تتعثّر بما يشي برجوعه. بين وثبتين، انداح بصري في المدى كشعاع قدريّ موجّه بقوّة خافية، وإذا بي ألمح طيف أسمالٍ ترتدي جسدأً مضيئاّ اختلطت معالمة حتى بدى ملاكا أرهقه التّرحال. أخذت الصّورة تقترب منّي خطوة إثر خطوة والمشهد واحد: أسمالٌ رثّة و(لاجسد) بضوءٍ خجول، كان شيئاً يبعث على الإختناق والإنعتاق في الوقت نفسه.

 

 

(( في الماوراء تصبح المسافة زمناً متجمّداً))

 

فذلك الملاك النّحيل بدى أمامي كما بدى لي في الأفق البعيد.

 

((  أيتجمّد البصر في الماوراء أيضاً، أم تنعدم الحواس عندما نفيض عن إدراكها؟))

 

أخرس الجوارح، متخم الحواس، مكت

المزيد


كائن منزوع الحزن، خالِ من الشّجون(لقيط)

تشرين الأول 23rd, 2006 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة

 
كعادتي، عندما أدخل مرحلة العزاء الفاحش، ألملم فتات الحزن، لأمشي في حضرتي على أرصفة العبور.
 
أيقضني العيد مبكّراً هذا الصّباح، ليخبرني أني اليوم وحيد هنا، لا يتقاسم صمت المكان معي أحد.
 
شعور خانق ذلك الّذي يجتاحك أوج احتفال الآخرين، حين تجدك تغنم بطبق من شجن بعد صيام دهر عن فرح.
 
أتأهّب مستعدّا لرحلة أنتعل فيها الضّجر، صحبة الأزقّة والحارات، علّها تفشي لي ببعض أسرار السّعادة، أو لعلّها تشي بسعادة الآخرين، عكس ما اعتدت، تعمّدت هذه المرّة أن أسير في طرقات ومحالّ بعيدة عن مسكن حزني، كي أستجمع مزيدا من مساحات الفراغ، تمهيداً لملأها بحزن أكبر.
 
أثناء مروري بأحد الأحياء الباذخة السّكون، استوقفني ما يشبه مجمّعاً سكنياً يغلب عليه طابع الثّراء، توقّفت قليلا، أتمعّن ما أراه لأوّل مرّة منذ أربع سنوات – مضت على مجيئي إلى هنا-، في حيّ هو في مرمى قدميّ، تفصلني عنه شوارع النسي

المزيد


فلسفة المطر

تشرين الأول 21st, 2006 كتبها عامر ملكاوي نشر في , قصة

 

ذات شتاء…

لابساً سكون الليل في أوصال قرية أسدل عليها الظّلام عباءة الصمت، منتعلاً قلقي الفطري، متنكراً بطفولة يرتديها معطف من كهولة، تشي بها عكّازة، استند إليها زمن مقيت من الإحتضار، أخرج من بين جدراني صحبة هارمونيكا حزينة تعزف لحن الإنتظار.

 

 

        ***********

 

أجمع أشيائي كمرتحل غريب، يبحث في وجه غيمة ليليّة بيضاء ، عن زهرة لوز تحمل في تلافيف أوراقها ذاكرة ناصعة الشّقاء. على إيقاعات المطر، تناقلت خطاي كراقص يحترف البقاء على قيد الألحان في أزقّة قتلها السكون، تعلّقت على جدرانها أحلام الخائبين.

 

مبهوراً بجماليّة مهرجان ريفيّ مبلّل بريق السّماء، فاجئتني هارمونيكا الإنتظار بمعزوفة مطريّة حزينة، عذبة النّغم، مللت إنتظارها لفرطه، لم تكد تسمعها الغيوم متخمة الشّجن، حتى استمطرت الغزير من الدّمع، لأقف مذهولاً وسط مسرح أوبراليّ إلهيّ، تتراقص على جليده أنفاسي الدّافئة، رفقة إيقاعات تصاحب قبلاً سماويّة ترسمها قطرات الشّوق على جبين الأرض.

 

 

 

 

غمرة سكون بعد صخب …

تثاقلت خطى السّماء في عدوها نحوي، تكاثفت حبّات الأمل في عينيّ، أمامها، امتقعت ألوان الأشياء من حولي. فضاء ضبابيّ اختزل أسطورة بهاء تلوّنت بدهاء طبيعة صامتة زج بي وسط لوحة رماديّة زاهية لبست المكان، فزرعتني إلى قدميّ بثبات دهِش كبّلته سلاسل الذّهول.

 

استوقفني تلك اللحظة ما تختزنه الطّبيعة من جنون يضعها خارج أطر المنطق، فوق أنسجة الخيال، إذ تستدرجك في أوج شهوتك لمفاتنها، لتلبس في حضرتك ثوب العزاء، تماماً، كامرأة لعوب، تغريك فصاحة مقصدها، فإن بلغتك، لبست عباءة العفّة فوق لهيب الرّغبة، لتتركك صريع أنوثة تقف على شفير الرجولة.

 

فبعد فصول انتظار، يأتيك الشّتاء مبلّلاً بلهفة اللقاء، يهديك سكوناً سرمديّاً تتوسّد دفئه، وتغفو على صوت أحلامك المعلّقة بصقيعه، وفي قمّة احتفالك، يباغتك بنوبة استنفار، تقلب أركانك، لتبقى على قيد الموت.

 

لكنّ ما حدث تلك الحزّة، ضرب من استحالة، لم يبلغ بها الجنون من قبل أن تتمرّد عليه، ما كان من زهو جمالها، ورقّة مآلها قبل هنيهة، لا يذهب إلى جنونها الرّتيب في شيئ. خارق ما أتت به، ينذر بمشهد استثنائي يتعدّى ما أضمرت من تقلّب أهوائها.

 

أسير مجهولها، وقفت على حافّة الهذيان، مأخوذا بهول ما تبدّى لي من غرابة مشهدها، تلك الطّبيعة العاشقة، الغاضبة، الغادرة، الحزينة، سحرتني بمزاجياتها العشوائية، أحاطتني بصمت قتيم، حلّق بي عبر أثير غرائبي، حطّ بي في مساحات الشّعور، معلناُ تخمة الحواس.

 

لملمت شتاتي بين تناقضاتها، في محاولة عاجزة لأن أستجمعني.

 

خلدت إلى عقلي أخيراً، أحاول التّعلق بتلك الشّعرة التي قد تعيدني إلى وهم الوعي…

 

من خلف ستارة ضبابيّة راكدة، نبس بي صوتٌ حفيف، به شيئ من لغط موسيقيّ، عبرني كرعشة انتشاء. تبدّد حاجز الأسئلة الضبابيّ الّذي أطبق على كلّ الأجوبة خلفه، لأقف أمام وجه ملائكي من مطر، بجسد أميرة حسناء، لم تزل حبيسة الخرافات والأساطير. وجه ثلجي، به شيئ من بريق الماس، لا يجعلك تقوى على تحديد ارتساماته، أو إ

المزيد


السابق



المرء إن لم تحبل به الكآبة ويتمخّض به اليأس، وتصفعه المحبّة في مهد الأحلام، تظلّ حياته كصفحة خالية  بيضاء في كتاب الكيان

جبران خليل جبران